4_ ثم إن الله _ تعالى _ دعاهم إلى أن يوحدوه قلبًا وقولًا وفعلًا؛ فمن قبل ذلك منه جملة، فاستقرت المعرفة بأنه واحد، فاطمأن به قلبه، وترجم به لسانه عما في ضميره، وعزم على الفعل مائلًا له _ فقد آمن به، وهذا كله من العبد في وقت واحد، فركب فيه الشهوات والهوى، وجعل للشياطين فيهم وساوس يجرون فيهم مجرى الدم، ويغوصون غوص النون في البحر. ص14
5_ وجعل القلب ملكًا على الجوارح، فالشهوة تحرك البدن الساكن، وتزعج القلب، والشيطان يمنِّيه، ويزين له، ويَعِدُه، والهوى يميل به، ويقوده؛ فالمؤمن قلبه مطمئن بالإيمان، والتوحيد ظاهر على لسانه.
فإذا جاء وقت فعل الأركان عمل فيه الشهوات، وزين له العدو، ومال به الهوى حتى يفعل الفعل الذي يخيل إليك في الظاهر أنه لم يؤمن بعد، فهو موحد بالقلب واللسان.
ولكن تغلبه الشهوة وقوتها، فبظلمة هذا الهوى، ووسوسة هذا العدو والتزيُّن غلب على القلب، لا على ما في القلب، مما في القلب من المعرفة، فالقلب به مطمئن، ولكن صار مأسورًا مقهورًا، وهو أبدًا لمن غلب عليه، وقهره. ص14، 15
6_ فمَن نَوَّرَ الله قلبه بنور الإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت، ووثقت، وأيقنت، وائْتَمَنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلًا، وتركت التدبير عليه. فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش لم يضطرب قلبه ولم يتحير؛ لأنه قد عرف ربه أنه قريب، وأنه لا يغفل، ولا ينسى، وأنه رؤوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل لا يجور، وأنه عزيز لا تمنع منه الأشياء، وأنه يُجِير ولا يُجار عليه. ص16، 17
7_ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانًا به، وقبولًا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم حتى إذا كانت وقت الحاجة اضطربت قلوبهم، وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء ومالك الملوك.