الصفحة 18 من 442

ولقد جلستُ يومًا فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا مَن رقَّ قلبه، أو دمعت عينه فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكتِ؟! فصحت بلسان وَجْدِي: إلهي وسيدي! إن قضيت عليَّ بالعذاب غدًا فلا تعلمهم بعذابي؛ صيانة لكرمك، لا لأجلي؛ لأن لا يقولوا عَذَّبَ من دلَّ عليه.

إلهي قد قيل لنبيك"اقتل ابن أبيّ المنافق فقال: =لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه+."

إلهي! فاحفظ حسن عقائدهم فيَّ بكرمك أن تُعْلِمهم بعذاب الدليل عليك (1) ، حاشاك _ والله يارب _ من تكدير الصافي. ص340_ 342

22_ بلغني عن بعض فساق القدماء أنه كان يقول: ما أرى العيش غير أن تتبع النفس هواها، فمخطئًا، أو مصيبًا.

فتدبرت حال هذا وإذا به ميت النفس، ليس له أنفة على عرضه، ولا خوف عار، ومثل هذا ليس في مسلاخ (2) الآدميين. ص499

23_ قد جاء في الأثر: اللهم أرنا الأشياء كما هي.

وهذا كلام حسن غايةً، وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها؛ فإنهم يرون الفاني كأنه باقٍ، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه _ وإن علموا ذلك _ إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر إلى الحاضر، ألا ترى زوال اللذة، وبقاء إثمها. ص 668

24_ تذكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي، فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة في طلب اللذات، فنظرت في اللذات فإذا هي خِدَعٌ ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيِّرها نغصًا، فتخرج عن كونها لذاتٍ؛ فكيف يتبع العاقل نفسه، ويرضى بجهنم؛ لأجل هذه الأكدار؟. ص684

25_ إنما فضل العقل بتأمل العواقب، فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها؛ فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد، والبطال يرى لذة الراحة، وينسى ما تجني من فوات العلم، وكسب المال؛ فإذا كَبِرَ، فسئل عن علم لم يدر، وإذا احتاج سأل، فذل؛ فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا.

(1) _ يعني ابن الجوزي نفسه.

(2) _ مسلاخ: جلد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت