20_ إخواني! لنفسي أقول؛ فمن له شِربٌ معي فَلْيَرِدْ: أيتها النفس! لقد أعطاكِ الله مالم تؤملي، وبلَّغكِ مالم تطلبي، وستر عليك من قبيحك ما لو فاح ضجت المشامُّ، (1) فما هذا الضجيج من فوات كمال الأغراض أمملوكة أنتِ أم حرة؟! أما علمتِ أنك في دار التكليف؟!
وهذا الخطاب ينبغي أن يكون للجهال؛ فأين دعواكِ المعرفة؟!
أتراه لو هبَّت نفحةٌ فأخذتِ البصرَ، كيف كانت تطيب لك الدنيا؟!
وا أسفًا عليكِ! لقد عشيتِ البصيرة التي هي أشرف، وما علمت كم أقول: عسى، ولعل، وأنت في الخطأ إلى قُدام.
قرُبتْ سفينة العمر من ساحل القبر، ومالكِ في المركب بضاعةٌ تربح، تلاعبت في بحر العمر ريحُ الضعف؛ فغرَّقتْ تلفيق القوى، وكأنْ قد فَصَلَتِ المركب، بلغتِ نهايةَ الأجل، وعينُ هواك تتلفَّتُ إلى الصبا!
بالله عليك، لا تُشْمِتي بكِ الأعداء!
هذا أقل الأقسام، وأوفى منها أن أقول: بالله عليك لا يفوتنَّكِ قَدَمُ سابقٍ مع قدرتك على قطع المضمار.
الخلوةَ الخلوةَ، واستحضري قرين العقل، وجولي في حيرة الفكر، واستدركي صُبابة الأجل قبل أن تميل بك الصَّبابة (2) عن الصواب.
واعجبًا! كلما صعِد العُمُرُ نزلتِ! وكلما جدَّ الموتُ هزلتِ!
أتراك ممن خُتم له بِفتنةٍ، وقضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟!
كان أولُ عُمُركِ خيرًا من الأخير، كنتِ في زمن الشباب أصلح في زمن أيام المشيب... [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ] العنكبوت:43
نسأل الله _ عز وجل _ ما لا يحصل إلا به، وهو توفيقه؛ إنه سميع مجيب. ص340 _ 342.
21_ ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس، وكم سالت عين متكبر بوعظي لم تكن تسيل، ويحق لمن تَلمَّحَ هذا أن يرجو التمام.
وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي.
(1) _ المشام: الأنوف.
(2) _ صُبابة الأجل: بقية العمر، والصَّبابة: الهوى.