قلت: والحقيقة أن بشير بن نهيك سمع من أبي هريرة، يؤكد ذلك ورود هذا الأثر عن وكيع في موضع آخر.
فأورده ابن عبد البر عن وكيع عن عمران به، قال: كنت أكتب ما أسمع من أبي هريرة، فلمّا أردتُ أنْ أُفَارِقَه، أتيته بكتابي، فقلت: هذا سَمِعْتُه منك؟ قال: نعم [1] .
وكذا رواياته عند غير الترمذي، عن تلاميذ آخرين لعمران بن حدير غير وكيع. فالرامهرمزي روى في المحدِّث الفاصل، قال: حدثنا أبو خليفة، ثنا عثمان بن الهيثم، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: كنت أكتب عند أبي هريرة ما سمعت منه فإذا أردت أن أفارقه جئت
بالكتاب فقرأته عليه، فقلت: أليس هذا ما سمعته منك؟ قال: نعم [2] .
والخطيب البغدادي الذي يرى عدم ضرورة إذن الشيخ بالرواية لمن ثبت سماعه منه، يَروي هذا الأثر من طريق أبي عاصم، عن عمران بن حدير، بنحوه، وقد صَدّره بقوله: وذهب بعض الناس إلى أنَّ من سمع من شيخ حديثًا لم يجز له أنْ يرويه عنه إلا بعد إذن الشيخ له في روايته، وهذا القول يروى عن بشير بن نهيك. ثم يختم الخطيب كلامه، قائلًا: وهذا غيرُ لازمٍ، بل متى صحّ السماع وثبت جازت الرواية له، ولا يَفْتَقِر ذلك إلى إذن من سمع منه [3] .
أما ابن رجب الذي يُفَضِّل طلب التلميذ الرواية عن الشيخ بعد سماعه، يؤكد على سماع بشير من أبي هريرة، حيث يشير إلى رواية روح بن عبادة، وأنها ليست من باب المناولة ولا من باب العرض المجرد، بل تدل على أنها عرض بعد سماع.
ويشير كذلك إلى روايتي عثمان بن الهيثم وأبي عاصم، والتي تدل على أنه كان يكتب بعدما يسمع منه، ثم أقرَّ له به أبو هريرة، وأذن له في روايته، وهذا نهاية ما يكون من التثبت في السماع [4] .
وابن حجر يَرُدُّ ما نقله الترمذي عن البخاري، فبعدما أورد رواية يحيى القطان، عن عمران ابن حدير، وفيه: هذا سمعته منك، قال: نعم. قال ابن حجر: ونقل الترمذي في العلل عن البخاري أنه قال: لم يذكر سماعًا من أبي هريرة، وهو مردود بما تقدم [5] .
والخلاصة في بشير أنّه ثقة، يحتج بحديثه، ولم يتكلم فيه أحد سوى أبي حاتم، ولذا وصفه الذهبي بالشذوذ، وابن حجر بالتعنت، وكذا لم يبين لنا سببًا للجرح، هذا التصرف الذي رفضه العلماء منه.
فإنْ قال فيه ما قال؛ لأنَّ يحيى القطان تركه، وهو لم يتركه، فلا يُقبل منه ذلك، وإنْ كان السبب هو روايته عن أبي هريرة إجازة، وهي سماعًا، فسبب أوهى من سابقة.
بقي مسألة فيها استدراك على ابن حجر، وهي أنّه قال: له في البخاري حديثان عن أبي هريرة، أحدهما حديث من أعتق عبدًا وله مال ... ، والآخر حديث العمرى جائزة [6] .
(1) . جامع بيان العلم: يوسف بن عبد البر النمري (463 هـ) ،دار الكتب الإسلامية، القاهرة، ط 2، 1402 هـ (ص 121) .
(2) 29. المحدث الفاصل بين الراوي والواعي: الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (360 هـ) ، تحقيق د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، ط 3، 1404 هـ (ص 538) .
وقد روى هذا الأثر عدد من المصنفين بأسانيدهم.
فرواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (7/ 223) ، والخطيب البغدادي أحمد بن علي (463 هـ) ، في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، ط 1403 هـ (2/ 134) . من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عمران.
ورواه البيهقي أحمد بن الحسين (458 هـ) ،في المدخل الى السنن الكبرى، تحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء، الكويت، 1404 هـ (ص 420) ،والخطيب البغدادي في الكفاية، دار الكتب الحديثة، القاهرة (ص 399) . من طريق روح بن عبادة، عن عمران.
ورواه أبو خيثمة زهير بن حرب (234 هـ) ،في كتاب العلم، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1403 هـ (ص 32) ، والدارمي عبد الله بن عبد الرحمن (255 هـ) ،في السنن بعناية محمد دهمان، دار الكتب العلمية، بيروت، (1/ 127) . من طريق معاذ بن معاذ عن عمران.
وكلها تنص على سماع بشير من أبي هريرة.
(3) . الكفاية في علم الرواية (ص 411) .
(4) . شرح علل الترمذي (1/ 527) .
(5) . تهذيب التهذيب (1/ 430) .
(6) . هدي الساري (ص 393) .