الصفحة 13 من 15

يضاف إلى ذلك أنّ النهي عند الأصوليين، إذا لم يكن بصيغة صريحة من الصيغ المعروفة فإنّه لا يمكن استنتاجه من الصيغ الأخرى إلاّ إذا رتبت على فعل معين عقوبة أو وعيد أو لعنة، أو وصفت هذا الفعل بأنّه من الذنوب أو أنّه عدوان أو ظلم أو إساءة أو فسق، أو شبّهت الفاعل بالبهائم أو الشياطين أو الكفرة، أو الخاسرين [1] . أي لا بدّ من قرينة تصرف الوصف إلى النهي. وليست هذه القرينة موجودة لا في نفس النص ولا في غيره من النصوص.

-لو اعتبرنا أنّ وصف الأمّة بالأميّة دليل على تعليق الصوم بالرؤية، فإنّه لا يمكن أن يكون دليلًا على عدم جواز تعليق الصوم بالحساب، فليس في النص أي إشارة إلى ذلك على الإطلاق، بل إنّ مجرّد صفة الأميّة يشير إلى علّة الاعتماد على الرؤية دون الحساب، فإذا تعلّمنا الحساب لم نعد أمييّن في هذا المجال، وبالتالي يمكننا أن نعتمد على الحساب كما نعتمد على الرؤية.

-يؤيّد ذلك أنّ معرفة دخول الشهر تعتبر من مسائل العادات، ولا علاقة لها بالتعبّد إلاّ من حيث انّنا لا ندخل في عبادة معيّنة إلاّ بعد معرفة وقتها. وقد غلَّب الشارع في العبادات جهة التعبّد التي يندر التعليل فيها، كما غلًّب في العادات جهة الالتفات إلى المعاني واكتشاف العلل كما أشار إلى ذلك الشاطبي [2] ، وبيَّن أنّ الشارع (توسع في بيان العلل والحكم في باب تشريع العادات، وأكثر ما يعلّل فيها بالمناسب الذي إذا عُرض على العقول تلقتّه بالقبول، ففهمنا من ذلك أنّ الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص) [3] . وقد ذكر الشيخ علي السبكي (فحيث ثبت حكم وهناك وصف صالح لعلية ذلك الحكم، ولم يوجد غيره، يحصل ظنّ أنّ ذلك الوصف علّة لذلك الحكم، والعمل بالظنّ واجب) . [4]

المبحث الخامس: الأدلّة على أنّ دخول شهر رمضان، هو السبب الشرعي لوجوب الصيام.

أولًا: القرآن الكريم: دخول شهر رمضان هو السبب الشرعي للصيام:

قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبينّات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [5] . فما معنى شهود الشهر؟

-شهد في اللغة بمعنى حضر. شهده شهودًا أي حضره، قال ابن منظور: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) معناه من شهد منكم المصر في الشهر، لا يكون إلاّ ذلك، لأنّ الشهر يشهده كل حيّ فيه. قال الفراء: المعنى: (فمن شهد منكم في الشهر، أي كان حاضرًا غير غائب في سفره) [6] .

-قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (فيها إضمار، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلًا بالغًا صحيحًا فليصمه) [7] .

-وذكر الطبري في تفسير الآية ثلاثة أقوال كلّها تدور حول هذا المعنى وهي:

أ من دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كلّه غاب بعد أوسافر، أو أقام ولم يبرح.

ب من شهد منكم الشهر فليصم ما شهد منه (أي فليصم الأيام التي كان فيها مقيمًا غير مسافر) .

ج- من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيح عاقل بالغ فعليه صومه.

-وقد فسّر الجصاص (شهود الشهر) المذكور في هذه الآية بالأحاديث التي تعلّق الصيام على رؤية الهلال فقال: (اتفق المسلمون على معنى الآية والخبر في اعتبار رؤية الهلال في إيجاب صوم رمضان، فدلّ ذلك على أنّ رؤية الهلال هي شهود الشهر) [8] . لكن من الواضح أن الجصاص يحاول هنا تفسير شهود الشهر بأحاديث الرؤية، هذه المحاولة تتعارض مع تفسير المفسّرين الآخرين بأن شهود الشهر يعني حضوره، وهو تفسير يؤيده الجصاص نفسه الذي استدّل بهذه الآية الكريمة (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) على النهي عن صيام يوم الشك من رمضان، بحجّة (أنّ الشاك غير شاهد للشهر، إذ هو غير عالم به، فغير جائز له أن يصومه عن رمضان) [9] ، والعلم بالشهر أوسع من حضور الشهر كما هو ظاهر، لأنّ الحضور يستلزم العلم، أمّا العلم فقد لا يستلزم الحضور.

-نخلص من ذلك أنّ شهود الشهر عند اللغوين وجمهور المفسرين يعني حضوره: أمّا قول الجصاص بأنّ (رؤية الهلال هي شهود الشهر) فغير مسلَّم، لأنّ رؤية الهلال تحدد بداية الشهر لا أكثر، وهي أمر يتعلّق بالهلال وبالشهر، أمّا الشهود فهو أمر يتعلّق بالإنسان المكلّف ومتى يجب عليه الصيام.

(1) - تيسير علم أصول الفقه، عبد الله الجديع (38 - 39) مؤسسة الريان - بيروت.

(2) - الموافقات (2/ 396) .

(3) - الموافقات للشاطبي (2/ 306) .

(4) - الابهاج في شرح المنهاج- علي السبكي وولده تاج الدين ص62.

(5) - سورة البقرة: 185.

(6) - لسان العرب لإبن منظور.

(7) - تفسير القرطبي للآية 185 سورة البقرة.

(8) - أحكام القرآن للجصاص (1/ 249) .

(9) - المرجع نفسه (1/ 255) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت