الصفحة 12 من 15

خامسًا: إذا قلنا أنّ رؤية الهلال هي السبب الشرعي للصيام، فقد ورد تعليلها بالنص، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (انا أمّة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) . ومن الواضح أنّه لم يقصد حساب الأرقام، فقد أرشدنا في نهاية الحديث إلى عدِّ الأيام وحسابها تسعة وعشرين أو ثلاثين. إنّما المقصود بالحساب هنا حساب منازل القمر، وقد كان معروفًا عند العرب بشكل بدائي وعند القلّة من الناس، ولم يكن هذا العلم قد بلغ درجة اليقين كما هو عليه اليوم. وقد بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم معرفة العرب بالحساب الأخذ بما هو يقيني، وهو أنّ الشهر يكون تسعًا وعشرين أو ثلاثين، وهذه مسألة أقرّها النص المعصوم ويؤكّدها علم الفلك. أمّا كيف يُعرف أنّ الشهر تسعًا وعشرين أو ثلاثين فهو غير ممكن في ذلك العصر إلاّ بالرؤية أو بإكمال العدّة، ولذلك ورد الأمر بالأحاديث الأخرى بإلتزام الرؤية لأنّها الوسيلة الوحيدة المقدروة للناس (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ... ) (لا تصوموا حتّى تروا الهلال ولا تفطروا حتّى تروه .. ) .

-والغريب أنّ كثيرًا من العلماء اعتبروا وصف الأمّة بالأميّة وأنّها (لا تكتب ولا تحسب) دليلًا على تعليق الصوم على الرؤية وليس على الحساب، وانّ هذا الحكم يستمّر ولو وجد بعدهم من يعرف الحساب كما يقول ابن حجر [1] . أو إنّ القول (إنّا أميّة أميّة لا نكتب ولا نحسب) هو خبر تضمّن نهيًا، فإنّه أخبر أنّ الأمّة التي اتبعته هي الأمة الوسط، أميّة لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمينين الذين هم هذه الأمّة، فيكون قد فعل ما ليس في دينها، والخروج عنها محرّم منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرّمين منهيًا عنهما، كما قال ابن تيمية ثم زاد في المبالغة فقال: (إنّ الأميّة المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أنّ الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط، ومن جهة أنّ فيهما تعبًا كثيرًا بلا فائدة. وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه، وللمفسدة التي فيه، وكان الكتاب والحساب في ذلك نقصًا وعيبًا، بل سيئة وذنبًا، فمن دخل فيه فقد خرج من الأمّة الأميّة فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديّه إلى الفساد والاضطراب) . [2]

ومن الواضح هنا أنّ النهي عن الحساب في مسألة الهلال قد بناها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على ما كان معروفًا في عصره، وهو (أنّ الحساب يدخله الغلط، وان فيه تعبًا كثيرًا بلا فائدة، وإنّ رؤية الهلال هي أبين وأظهر من الحساب) وهذه أمور لم تعد موجودة، فالحساب بالنسبة لحركةو الهلال وولادته لا يدخله الغلط إلاّ بنسبة ضئيلة جدًا لا عدّة بها، بينما احتمال الغلط في رؤية الهلال أكبر بكثير. ولم يعد علم الفلك يحتاج لتعب كثير، بل هو علم ميسور في الجامعات، ولا يشك أحد في فائدته بعد أن اعتمد عليه العلماء في الوصول إلى القمر، ولم تعد رؤية الهلال أبين وأظهر من الحساب في معرفة دخول الشهر.

أمّا القول بأنّ الحديث (إنّ أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب) هو خبر تضمّن نهيًا، وإنّ الكتاب والحساب محرّمين منهيًا عنهما، وإنّ الأميّة المذكورة هنا هي صفة مدح وكمال، وإنّ من دخل في الكتاب والحساب فقد ارتكب سيئة وذنبًا، وخرج من الأمّة الأميّة فيما هو من الكمال والفضل ... )

إنّ هذا القول مبالغة خاطئة، فالنص النبوي الكريم خير تضمن وصفًا لواقع وليس ملتصقًا بهذه الأمّة، فضلًا عن أن يكون صفة مدح وكمال وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على نشر التعليم بين الصحابة، ومن المعروف أنّ جميع العلوم تتراوح بين أن تكون فرض عين أو فرض كفاية لو مستحبّة، ولم ينه الإسلام إلاّ عن علم النجوم الذي يستدل على الحوادث بحركة الأفلاك، فهو شعبة من السحر أو إدّعاء لعلم الغيب، أمّ علم النجوم بمعنى حساب سيرها لتحديد أوائل الشهور فلا خلاف بين الفقهاء في جوازه، بل ذهب جمهورهم إلى أنّه فرض كفاية [3] فلا يمكن أن يُفهم وصف الأمّة بالأميّة (وإنّها لا تكتب ولا تحسب) على أنّه نهي عن التعلّم والحساب، فيما النصوص الكثيرة في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة تأمر بطلب العلم والحساب ويشجّع عليه.

(1) - فتح الباري (4/ 102) .

(2) - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (25/ 165) .

(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية (14/ 52) نقلًا عن الزواجر (2/ 90 - 91) ومواهب الجليل (2/ 387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت