وإذا كان شهود الشهر يعني حضوره، فإنّ مقتضى ذلك أنّ السبب الشرعي لوجوب صيام رمضان حسب الآية الكريمة هو (دخول الشهر) ، وهو سبب الموضوعي الذي يتعلّق بالمسلمين جميعًا. أمّا الشروط المطلوبة من كل منهم حتّى يجب عليه الصيام، فهي أن يكون مقيمًا غير مسافر، سليمًا غير مريض، عاقلًا غير مجنون، بالغًا غير صغير، (طاهرة غير حائض إذا كانت امرأة) .
ثانيًا: السنّة تؤكّد أنّ دخول رمضان هو السبب الشرعي للصيام.
1 -وردت مئات الأحاديث الصحيحة في جميع كتب السنن وهي تتحدث عن صيام شهر رمضان وفضائله وما يتعلّق به من أحكام. ومقتضى هذه الروايات أنّ دخول الشهر هو السبب الشرعي لوجوب الصيام، إذ أنّ المفهوم الذي تبادر إلى الأذهان عند سماع قول النبي صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ... ) [1] إنّ الصيام يجب على المسلم بدخوله شهر رمضان، لذلك يستطيع أن نقول بجزم أنّ السنة الصحيحة تؤكّد ما ورد في القرآن من أن دخول الشهر هو سبب الصيام.
2 -وردت روايات أخرى كثيرة تبيّن للمسلمين كيف يعلمون دخول الشهر، وتحدد وسيلتين لذلك: رؤية الهلال أو إكمال العدّة إذا تعذّرت رؤية الهلال. قال صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) ، وفي رواية: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) وعن رواية (فإن غم عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين) وفي رواية (فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين) [2] .
ومما لا شك فيه أنّ رؤية الهلال دليل واضح على دخول الشهر، وأنّه إذا لم ير الهلال وكان الجو صافيًا، فإنّ الإنسان يرجح أنّ الشهر لم يدخل، ولذلك وجب عليه أن يتمّ عدّة شعبان ثلاثين يومًا. أمّا إذا لم يُر الهلال وكان الجو غيم، فيحتمل أنّه موجود لكن الغيم غطّاه، ويجتمل أنّه غير موجود، وعلى المسلم أن يأخذ بالاحتياط ويُتم عدّة شعبان ثلاثين يومًا، ثم يبدأ صيام رمضان بعد ذلك.
3 -هذا هو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لكيفية معرفة دخول الشهر، وهو يؤكد أن سبب الصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال. لأنّه يحدد طريقة أخرى إذا لم ير الهلال وهي إكمال العدة ثلاثين وهي طريقة لها معنى واحد هو أنّ إكمال العدّة يعني التأكّد من نهاية شهر وبداية شهر آخر، ولو لم ير هلاله. وهذا يؤكّد أنّ سبب الصيام هو دخول الشهر وليس رؤية الهلال.
4 -بيّنت السنن الصحيحة أيضًا أنّ الشهر القمري يكون تسعة وعشرين يومًا، ويكون أحيانًا ثلاثين يومًا [3] ، وهذه حقيقة علمية مؤكدة، لأن دورة القمر الشهرية تختلف بين شهر وآخر فتكون في الحد الأدنى (29) يومًا و (5) ساعات، و (44) دقيقة و (19) ثانية. وتكون في حدها الأقصى (29) يومًا و (9) ساعات و (45) دقيقة و (36) ثانية. وهكذا نرى أن المدّة الزمنية للشهر القمري تختلف بين شهر وآخر في السنة نفسها، وتختلف بين الشهر في سنة معينة والشهر المماثل له في سنة أخرى [4] .
5 -وإذا كان الشهر - فلكيًا وشرعيًا- يكون تسعة وعشرين يومًا أو ثلاثين يومًا، فقد بيَّنت السنّة المطّهرة الوسيلة المقدروة لتحديد بداية الشهر ونهايته في عصر النبوة، وهي رؤية الهلال، وإنّه إذا لم ير وجب على الناس إكمال عدة الشهر ثلاثين يومًا. وبسبب كثرة النصوص الصريحة الصحيحة وتنوّعها، منها ما يأمر بالصيام عند رؤية الهلال، ومنها ما يمنع الصيام قبل رؤية الهلال، فقد مال جمهور الفقها إلى اعتبار الرؤية هي السبب الشرعي للصيام.
لكن من الواضح أنّ رؤية الهلال أو إكمال العدّة لا توصل دائمًا إلى العلم اليقيني ببداية الشهر أو نهايته، فقد يبدأ الشهر ولا يُرى هلاله، فيبدأ الصيام في اليوم التالي، وقد ينتهي الشهر ولا يُرى هلال الشهر التالي، فتكمل العدة فيكون الشهر الحقيقي تسعة وعشرين يومًا. لكن سبب عدم توفّر وسيلة أخرى أكثر يقينًا، فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ هذا الخطأ متغيّر فقال: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحّون) [5] (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحّون) [6] .
الفصل الرابع: كيف تعرف دخول شهر رمضان؟
1 -الشهر ظاهرة فلكية: يبدأ وينتهي.
2 -الوسيلة الشرعية لمعرفة حلول الشهر هي رؤية الهلال أو إكمال العدّة.
3 -هل يمكن وجود وسائل أخرى؟ أم الوسيلة حدّدت حصرًا؟
4 -هل يمكن اعتماد الحساب وسيلة لمعرفة دخول الشهر؟
5 -خلاف الفقهاء حول اعتماد الحساب؟
-جواز اعتماد حال الغيم.
(1) - رواه أحمد وأصحاب السنن.
(2) - أخرج هذه الروايات البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن عمر.
(3) - وردت في ذلك روايات كثيرة صحيحة عند البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن حديث عبد اله بن عمر وسعد بن أبي وقاص.
(4) - راجع دراسة الدكتور محمد هواري بعنوان (تحديد أوائل الشهور القمرية) المقدمة للمجلس الأوروبي للالفتاء والبحوث 2007م.
(5) - أخرجه الترمذي.
(6) - أخرجه أبو داود.