المطلب الثاني: حجية التوقيع الإلكتروني في الإثبات في الفقه الإسلامي
يعدُّ أول ظهور للتوقيع [1] في استخدامه في المحررات الرسمية في الإسلام في السنة السادسة للهجرة النبوية بعد غزوة الحديبية حيث أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكاتب الملوك في الدول المجاورة ويدعوهم إلى الإسلام قيامًا بالواجب من تبليغ رسالات الله إلى الناس كافة, فعن أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى رهط أو أناس من الأعاجم, فقيل له: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا عليه خاتم, فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضة .. [2] وفي رواية لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من فضة ونقشت فيه"محمد رسول الله"فلا ينقش أحد على نقشه" (3) ."
واستمر استخدام التوقيع بالختم بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم في القرون الإسلامية الأولى, فعن الإمام مالك بن أنس رحمه الله أنه قال"كان الأمر القديم إجازة الخواتيم" [3] 4).
وقد بحث العلماء رحمهم الله تأكيد المحررات بالتوقيع وأوردوا لها أسماء متعددة حسب الجهة التي تصدر منها (السلطان أو القاضي أو الأفراد) ومن تسمياتها: الصك والحجة والسجل والوثيقة، كما بينوا تأكيدها بالاشهاد عليها خاصة إذا خيف التزوير. [4]
ولما كان المقصود من التوقيع تحديد الشخص الذي صدر منه وتمييزه عن غيره ودلالة على رضاه بمضمونه والتزامه به فقد تطورت صوره وأنواعه وخاصة في العصور المتأخرة وكان من آخرها التوقيع الإلكتروني بأنواعه المختلفة.
والذي يظهر للباحث صحة استخدام التوقيع الإلكتروني وخاصة التوقيع الرقمي لإثبات العقود الإلكترونية في الفقه الإسلامي، وأن هذا يتفق مع مبادئ الإثبات في الشريعة الإسلامية وذلك لما يلي:
(1) جاء في معجم مقاييس اللغة في لفظ وقع"ومنه التوقيع: ما يلحق بالكتاب بعد الفراغ منه"ص1026 وانظر القاموس المحيط ص998.
(2) أنظر: الرحيق المختوم للمباركفوري ص466وأخرجه البخاري في صحيحه , كتاب اللباس, باب نقش الخاتم , برقم 5423.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه باب اللباس والزينة برقم 3901 , وكان هذا الخاتم في أصبعه البنصر من يده اليسرى صلى الله عليه وسلم , ثم لبسه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بعده, فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط في البئر, وانظر صحيح البخاري كتاب اللباس رقم الحديث 5429.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 160
(4) انظر: وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية د. محمد مصطفى الزحيلي ص474.