ماذا خرقت الرصاصات الأثيمة من بدن هذا الرجل؟ خرقت جسدا أضنته العبادة الخاشعة، وبراه طول القيام والسجود. خرقت جسدا غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله، وغضنت جبينه الرحلات المتلاحقة إلى أقاصى البلاد، رحلات طالما عرفته المنابر فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم ألوفا ألوفا في ساحة الإسلام! لقد عاد القرآن غضا طريا على لسانه. وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله. ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية. وإلى جانبه طلائع الجيل الجديد الذى أفعم قلبه حبا للإسلام واستمساكا به. وعرفت"أوروبا"البغى أى خطر على بقائها في الشرق إذا بقى هذا الرجل الجليل. فأوحت إلى زبانيتها... فإذا الإخوان في المعتقلات. وإذا إمامهم شهيد مدرج! في دمه الزكى! ماذا خرقت الرصاصات من جسد هذا الرجل؟ خرقت العفاف الأبى المستكبر على الشهوات، المستعلى على نزوات الشباب الجامحة. لقد عاش على ظهر الأرض أربعين عاما لم يبت في فراشه الوثير منها إلا ليالى معدودة، ولم تره أسرته فيها إلا لحظات محدودة. والعمر كله بعد ذلك سياحة لإرساء دعائم الربانية، وتوطيد أركان الإسلام، في عصر غفل فيه المسلمون، واستيقظ فيه الاستعمار، ومن ورائه التعصب الصليبى ، والعدوان الصهيونى ، والسيل الأ حمر! فكان حسن البنا العملاق الذى ناوش أولئك جميعا حتى أقض مضاجعهم. وهدد في هذه الديار أمانيهم. لقد عرفت التجرد للمبدأ في حياة هذا الرجل. وعرفت التمسك به إلى الرمق الأخير في مماته. وعرفت خسة الغدر يوم قدم رفات الشهيد هدية للمترفين والناعمين. قدم- من قبل- دم على مهرا لامرأة. عجبا لهذه الدنيا وتبا لكبرائها! وارحمتاه لضحايا الإيمان في كل عصر ومصر! أكذلك يقتل الراشد المرشد؟؟ ص _040