(فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) . ثم كشف عن خبيئة نفوسهم وحقيقة موقفهم من الدعوة إلى الله، ورغبتهم الكامنة في أن تطوى الأرض ظلمات الكفر والضلال. وعلى بينة من هذه النيات الخبيثة قال: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) . (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم) . بل إن الإسلام يؤخر التناصر الثابت بحق الأخوة المشترك في الدين، ويقدم عليه المعاهدات المعقودة، ولو مع قوم كافرين! وفى هذا يقول الله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير) . ويبدو أن هذه المعاملة الفاضلة القائمة على رعاية العهود والمبالغة في احترامها بدأت من جانب واحد فقط، أما الجانب الآخر فقد أظهر الموافقة والقبول، وأضمر التربص والكيد، ريثما تواتيه الفرصة المناسبة ليعلن غدره ويوقع مكره. فهو يستمسك بالوفاء ما دام ضعيفا، ويحرص عليه ما ظل يستفيد منه، فإذا أحس بالدفء والقوة تحرك ليلدغ، وبسط يده وفمه بالأذى. وقد ظل المسلمون الأولون حينا من الدهر يتعلقون بمثاليتهم، ويحاولون الإبقاء على عهودهم مع مخالفيهم في الدين، من اليهود والنصارى والمشركين، بيد أن هذه المحاولات ضاعت سدى، فقد نقض يهود المدينة معاهدتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ظنوا الفرصة سنحت للقضاء على المسلمين في معركة الأحزاب كما نقض المشركون عهد"الحديبية"مع أن بنوده كانت لمصلحتهم. ص _032