وهناك رجال من صنف آخر، يقيسون نتائج عملهم بمقدار ما يتمخض عنه من ربح أو خسارة، ويفكر قبل الاشتباك في أية معركة، هل سترجح كفتها له أو تدور دائرتها عليه؟ ثم يتخذ بعد قراره بالهجوم أو الفرار وبمقارعة الموت الرضوخ للعار. وانظر إلى الشعر السابق من نفس جياشة بالإقدام كيف نبع؟ ثم انظر إلى شعر آخر يصور نفسية أخرى: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسى بأشقر مزبد وشممت ريح الموت من تلقائهم في مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوى مشهدى فصددت عنهم والأحبة دونهم طمعا لهم بلقاء يوم مرصد! وقد أحسن الشاعر في الاعتذار عن فراره، ولكن أترى هذا منطق أنسى بن النضر حين ضمه موقف في غزوة أحد كموقف هذا المقاتل؟ فلما شم ريح الموت لم يدر بخلده هذا المنطق! بل قال: إني أشم ريح الجنة من وراء أحد !! ومات مقبلا لا مدبرا، مفتخرا لا معتذرا.. وما أحوج المسلمين إلى رجال من الصنف الأول يحيون للمبادئ وحدها، وتأوى الفضائل العليا من نفوسهم إلى ركن ركين. إن فخار الإنسانية في تاريخها الطويل بمثل هؤلاء الرجال الذين لا تلتوى طباعهم مع سياسة المنفعة، ولا يطيقوا السير مع ألاعيب السياسات وما تنطوى عليه من مكر واحتيال. ص _030