فى الميدان الرحيب، تهب الرياح السافية، وتهيج العواصف العاتية، وتمتلئ صدور المجاهدين بالغبار، وتتراكم على ملامحهم وملابسهم وأقدامهم سحب التراب. هذا كله لا ينساه الله للمجاهد المخلص الصبور. فقد جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم:"لا يجتمعان في جوف عبد: غبار في سبيل الله ودخان جهنم""ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا آمنه دخان النار يوم القيامة. وما من رجل تغبر قدماه في سبيل الله إلا آمن الله قدمه من النار يوم القيامة". وعندما يلقى الليل على الكون أستاره. وينتدب من الجند من يقوم بحراسة المعسكر، ومراقبة الأعداء. فإن يقظة الجندى الساهر على حياة إخوانه، والتفاته لكل حركة، واكتشافه لكل ريبة، إنما هو ضرب من العبادة والتهجد يزيد على الصوم والصلاة. وتلك أيضا حسنة تدخر للمؤمن عند الله:"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرص في سبيل الله"والجندى في الميدان يتعرض للقتل، كما يعرض أعداء الله له، ويقع في مآزق ضيقة، ويواجه أزمات معنتة ، وتهيج في نفسه مشاعر القلق، ويخاف تارة على نفسه، وتارة على من معه. والذى يواجه الموت في كل ساعة لا يستغرب منه أن تتوتر أعصابه وأن يقشعر إهابه. لكن حساب هذه العاطفة المتوجسة لا يضيع عند الله أبدا، كما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما خالط قلب امرئ رهج ـ وجل ـ في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار"وليست حياة المجاهد في ميادين القتال هى الحياة الرتيبة التى ألفناها، ولا معيشته هى المعيشة السهلة المريحة التى عرفناها، فإن التعب عنصر مشترك في كل ساعة من ساعاته... عليه أن ينتظر تأخر ضروراته عن موعدها، وأن يتحمل فراغ البطن، وجفاف الحلق، وطول السهر، وكثرة السفر، وحدوث المفاجآت، ووقوع المضايقات. غير أن شيئا من هذا لا يجوز أن يخذل مؤمنا عن الجهاد، ولا أن يؤخره عن أداء الواجب المكتوب عليه لنصرة الله ورسوله: ص _013