فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 40

جاء رجلٌ إلى صاحب له فدق عليه بابه فقال: ما جاء بك في هذه الساعة؟ فقال: عليّ أربعمائة درهم هي دينٌ، فوزن له الأربعمائة وأخرجها إليه، ودخل بيته يبكي، فرأته امرأته فقالت: لمَ أعطيته إذ شق عليك العطاء؟ ظنت أنه يبكي متحسرًا لأنه دفع إليه هذه الأربعمائة، فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي، أبكي لأني اضطررته إلى أن يسأل.

ويقول عبد العزيز بن مروان، وهو والد الخليفة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يقول: إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع معروفي عنده، فيده عندي أعظم من يدي عنده، وأنشد لابن عباس -رضي الله عنهما- هذه الأبيات.

إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليلُ عاكرُ

وذاكرني في حاجة لم يكن لها ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصرُ

فرجت بمالي همه عن خناقه ... وزاوله الهم الطروق المساورُ

وكان له فضلٌ علي بظنه ... بي الخير أن للذي ظن شاكرُ

يقول: أنا أشكره على حسن ظنه بي، وعلى أنه جاء فتسبب لي أن أحسن إليه، وأن أتصدق عليه.

وهذا سعيد بن العاص يوصي ابنه يقول: يا بني أخزى الله المعروف إذ لم يكن ابتداءً من مسألة، فإما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك خاطرًا لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته بذلك.

يقول: إذا جاءك الرجل ووجهه يتمعر لا يدري هل يُهان أو يعطى؟ هل يصرف أو يبذل له؟ واضطررته إلى المسألة فهذا لو أعطيته كل ما تملك فإنك لا يمكن أن تكون مكافئًا له.

وكان عامر بن عبد الله بن الزبير يتخير العُبّاد وهم سجود، فيأتيهم بالصرة -يأتي إلى الرجل العباد الفقير بصرة المال- فيضع هذه الصرة عند نعليه وهو يصلي، ونعلاه بجانبه، ثم ينصرف، فسئل عن ذلك لماذا تفعل ذلك؟ لماذا لا ترسل بها إليهم؟ فقال: أكره أن يتعمر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي أو لقيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت