وأما علي بن الحسين زين العابدين فكان يحمل الجراب على ظهره بالليل، وما يترك أحدًا من خادمٍ أو غيره ليعينه على هذا الحمل، فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب -عز وجل-، ولما مات وجد آثارٌ في ظهره عند تغسيله من سواد في جلده، فكان ذلك من أثر حمل هذه الأمور الثقيلة التي كان يوصلها إلى الفقراء، فما كان يوصلها إليهم بطرق أبوابهم لينظروا إلى وجهه، وينظر إلى وجوههم؛ لأنه لا يريد أن يحرجهم بذلك، كما أنه أيضًا لا يريد أن يُعرف أنه الذي تصدق بهذه الصدقة.
هذه أعلى مراتب الجود أن تبذل الخير والمال والنفع، ولا يدرى من أين جاء؟ ولا تُحْوج هذا الإنسان المحتاج إلى أن يأتي إليك ويتذلل إليك ويذهب ماء وجهه.
وأما المرتبة الثانية: فهي أن تعطي السائل لكن من غير مَنٍ ولا أذى، إذا سألك أعطيته بالمعروف، كما قال الله -عز وجل-: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [ (262) سورة البقرة] ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} [ (264) سورة البقرة] .
وأما أسوأ المراتب وأحط المراتب وليس ذلك من الجود البتة، فهو الذي يعطي الناس ثم بعد ذلك يشغلهم بهذا العطاء الذي أعطاهم، فيذكرهم به تصريحًا أو تلميحًا، ويمتن عليهم، ولربما أساء الأدب والخلق معهم في حال العطاء، وأغلظ عليهم أو قطب في وجوههم فرأوا الكراهة في وجهه، فهذا السائل لا يحتاج إلى أن ينهر؛ لأن مذلة المسألة تكفيه، والله -عز وجل- يقول: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [ (10) سورة الضحى] فإن هذا السائل يأتي بذلِّ المسألة، فإذا زدته على ذلك بأن زجرته فإن ذلك يكون ذلًا مضاعفًا واقعًا عليه.
وأما خامسًا: فأنواع الجود: