إن الصنيعة لا تعد صنيعةً ... حتى يصار بها طريق المصنعِ
ج
يعني أن العطاء إن لم يكن إلى من يستحق العطاء فإنه لا يعد من صنائع المعروف، فقال:"أراد هذا أن يبخل الناس"فعبد الله بن جعفر يريد أن العطاء يبذل للناس فيقع في أيديهم، فإن كان محتاجًا فيكفى الحاجة، وإن كان غير محتاج فـ (( في كل كبدٍ رطبة أجر ) ) [1] .
وأما رابعًا: فبيان مراتب الجود:
الجود ليس على مرتبةٍ واحدة، بل هو على مراتب كغيره من أمور الكمالات، كالإيمان والإحسان والصبر والتوكل وما إلى ذلك، فهذه الخصال ليست على مرتبةٍ واحدة، وإنما هي على مراتب متفاوتة، فأعلى مراتب الجود أن يُعطى قبل السؤال مع ملاحظة المعطي لمنةِ الله -عز وجل- عليه وإحسانه وتوفيقه إياه للبذل، وأنه منع غيره من هذا الخير، كما أنه منع غيره من هذا الإفضال والإحسان والإعطاء والجود، فهذه ينبغي أن تقوم في قلب العبد مع سروره بهذا العطاء وفرحه به إضافةً إلى كونه لا يحرج هذا السائل وهذا المحتاج.
ترى البخل مرًَّا والعطاء كأنما ... تلذُّ به عذبًا من الماء باردًا
ج
يقول جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه-:"صحبتُ طلحة فما رأيت أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألة منه"، ويقول يوسف بن أسباط:"إذا أوليتك معروفًا كنت أسر به منك"، فهذا يعطي وهو أفرح بإعطائه من هذا المعطى لهذا العطاء، فهذا هو الجود والإفضال الكامل.
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتقِ الله سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروفُ والجود ساحله
ج ...
(1) - أخرجه البخاري في كتاب المساقاة باب: فضل سقي الماء (ج 8 / ص 182) (2190) ومسلم في كتاب السلام باب: فضل سقي البهائم المحترمة وإطعامها
(ج 11 / ص 304) ( 4162) .