فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 40

وهناك أيضًا خبرٌ آخر يشبه هذا وقع لعمر بن عبيد الله بن معمر حيث مر بزنجي يأكل عند حائط وبين يديه كلب، فكان الزنجي إذا أكل لقمة رمى بلقمة إلى الكلب، فقال له: أهذا الكلب لك؟ فقال: لا، قال: فلمَ تطعمه مثل ما تأكل؟ قال: إني أستحي من ذي عينين ينظر إلي أن أستبد بمأكول دونه، فقال له: أحرٌ أنت أم عبد؟ قال: عبد لبعض بني عاصم، فجاء إليهم في ناديهم فاشتراه واشترى الحائط، ثم جاء إليه فقال: أعلمت أن الله أعتقك؟ فقال: الحمد لله وحده، ولمن أعتقني بعده، قال: وهذا الحائط لك، قال: أشهدك أنه وقفٌ على فقراء المدينة، قال: ويحك تفعل هذا مع حاجتك؟ فقال: إني أستحي من الله أن يجود لي بشيء فأبخل به عليه.

هذا رجل يستحي من الكلب أن ينظر إليه بعينيه فلا يعطيه شيئًا، فأين نحن من أيتام المسلمين، ومن أرامل المسلمين ومن جوعى المسلمين ممن يموتون عريًا وجوعًا في أصقاع كثيرة من العالم، ونحن نتقلب بألوان النعم الظاهرة والباطنة.

قيل لمعروف الكرخي في مرضه الذي مات فيه: أوصي، فقال: إذا مت تصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانًا، كما دخلت إليها عريانًا.

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- جاء في طريق فمر بأحد الناس فجلس ذلك الرجل يدعو لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففهم شيخ الإسلام أن الرجل يعرض بالحاجة، يعرض بالمسألة، فلم يكن معه ما يعطيه فنزع ثوبه ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه ثم اعتذر إليه من كونه لا يحضره شيء من النفقة.

وكان شيخ الإسلام كما قيل في خبره وترجمته لا يرد سائلًا، وإذا سئل شيئًا من كتبه أعطى، وكان يقول للسائل: خذ منها ما شئت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت