إذا تكرهت أن تعطي القليل ولا ... تكون ذا سمعةٍ لم يظهر الجودُ
بث النوالى ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقرًا فهو محمودُ
ج
أي ولو قلّ.
وكان أويس القرني يمسي ويتصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريًا فلا تؤاخذني به، وكان يقول في دعائه: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبدٍ جائعة وبدنٍ عارٍ، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس لي شيءٌ من الدنيا إلا ما على ظهري، ولم يكن على ظهره حينذاك إلا خرقة، وهو الرجل الذي أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر -رضي الله عنه- إن لقيه وجاء في أمداد اليمن أن يطلق منه أن يستغفر له، وكان -رحمه الله- يتصدق بثيابه حتى لربما جلس من غير ثياب فلا يجد شيئًا يذهب به إلى الجمعة.
وأما عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنه- فله خبرٌ عجيب مع رجلٍ رقيق، خرج عبد الله بن جعفر وهو الجواد المعروف خرج إلى ضيعة له، فنزل عند نخل قومٍ وفيها غلامٌ أسود يقوم عليها كالحارس، فجيء بقوته -هذا الغلام جيء بقوته- وهو ثلاثة أقراص من الخبز، فدخل كلبٌ ودنا من الغلام فرمى إليه بالقرص الأول فأكله الكلب، ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلها -ونحن نعلم أن هذه البهائم إذا جاعت تأكل الخبز كما هو مشاهد- فأكلها وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك في كل يوم؟ فقال: هو ما رأيت فقط، فقال: فلمَ آثرت هذا الكلب؟ قال: ليست هذه بأرض كلاب، وهذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعًا فكرهت رده، فقال له عبد الله بن جعفر: فماذا ستنصع هذا اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا -يعني على الجوع- فقال عبد الله بن جعفر: أُلام على السخاء وهذا أسخى مني؟! فاشترى الحائط -المزرعة- والغلام، وما فيه من الآلات، فأعتق الغلام، ووهب ذلك له جميعًا.