وكان دخل الليث بن سعد الإمام المعروف الفقيه كان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما أوجب الله عليه زكاة درهمٍ واحدٍ قط، كان ينفق ذلك فلا يجتمع عنده نصابٌ.
يقول بعض الزهاد من المتقدمين: فتشت الأعمال كلها فما وجدتُ فيها أفضل من إطعام الطعام، أودُّ لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئًا، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها، يقول: يدي لا يبقى فيها شيء، كل ما جاءني فأدفعه لهؤلاء المحتاجين.
وأما الشعبي -رحمه الله- الإمام الحافظ المعروف الذي كان يقول: أقل ما أحفظه الشعر، ولو شئتم لحدثتكم شهرًا لا أعيد بيتًا، وكان لا يقرأ ولا يكتب لا يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان آيةً في الحفظ والعبادة، كان يقول: ما مات لي قرابةٌ وعليه دينٌ إلا قضيته عنه.
وأما الواقدي -صاحب المغازي- فيقول: صار إليّ من السلطان ألف درهم ما وجبت علي زكاةٌ فيها، ومات وهو في القضاء وليس له كفن، فبعث الخليفة بأكفانه.
وعوتب ابن المبارك وهو العالم الكبير الجواد، عوتب فيما يفرق من الأموال في البلدان دون بلده، فقال: إني أعرف مكان قومٍ لهم فضلٌ وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، ولحاجة الناس إليهم احتاجوا، يعني تفرغوا للناس في بث حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
وكان يقول للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرت، وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم.
وأما مورق العجلي فكان يتجر وينفق أرباحه على المحتاجين والفقراء، وكان يقول: لولاهم ما اتجرت، لولاهم ما اشتغلت بالتجارة، فأين تجار المسلمين الذين لو أخرجوا الزكاة فقط لصار فقراء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من أغنى الناس؟! لو أخرجوا الزكاة فقط فضلًا عن أن يجودوا بغير ذلك من الصدقات.