جاء رجلٌ إلى الإمام الشافعي -رحمه الله- فأعطاه ورقةً يقول له فيها: أنا بقال رأس مالي درهم، وقد تزوجت فأعني، فقال الشافعي لتلميذه وصاحبه الربيع: أعطه ثلاثين دينارًا، فقال الربيع: أصلحك الله إن هذا يكفيه عشرة دراهم، فقال: ويحك، وما يصنع بثلاثين دينار، أفي كذا أم كذا، يعني في أي شيء يصرف هذه الثلاثين، أعطه.
وكان يقول - أعني الشافعي -رحمه الله:
يا لهف قلبي على مالٍ أجود به ... على المقلين من أهل المروءات
جإن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
ج ...
وأما ابن المُنَيّر وهو عالم من العلماء المتأخرين -رحمه الله تعالى- فكان يجلس في دكان له في بعلبك، وكان يضع الأموال في أوراقٍ يلفها على المال، ثم يضع ذلك في ناحية في دكانه، فإذا جاء السائل مد يده إلى واحدةٍ من هذه الأوراق التي في داخلها هذه الأموال، ثم يعطيها إلى هذا السائل دون أن ينظر إليه؛ لئلا يحرجه؛ ولئلا يرى وجهه فإذا رآه يتذكر أن له يدًا عليه، فهو لا يريد منه جزاءً ولا شكورًا، كما قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [ (9، 10) سورة الإنسان] فكان جزاؤهم {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [ (11) سورة الإنسان] .
وأما المرأة فلها أيضًا أخبارٌ عجيبة في باب الإنفاق في سبيل الله -عز وجل-، وفي باب الجود، فهذه أم ذرة تقول: دخلت على عائشة -رضي الله عنها- وعندها مائة ألف درهم، فجعلت تقسمها حتى ما بقي منها شيء، ثم قالت: يا جارية هاتي فطري وكانت صائمة، فجاءت بخبزٍ وزيت، فقالت لها: يا أم المؤمنين ما كان عليك لو أخذت درهمًا مما قسمت فاشتريت به لحمًا فأكلتِ وأطعمتنا، فقالت: لا تعنفيني، لو ذكرتُ ذلك أو ذكرتني لفعلت.