فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 40

وهذه قضية تنفع المؤمن وهو أنه لربما عمل الكثير في بابٍ من أبواب الخير، ولم يعدم أحدًا يفعل فعله وأعظم من فعله ولربما مع الحاجة.

وأما مَن بعد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فكانت أخبارهم أيضًا عجيبة في هذا الباب، فهذا الربيع بن خثيم من التابعين أصابه الفالج وهو الشلل، فطال وجعه، فاشتهى لحم دجاج، فكفَّ نفسه لا يريد أن يسأل امرأته وهي امرأته، لم يرد سؤالها، فكف نفسه ومنعها عن شهوته لهذا الطعام أربعين يومًا، ثم حكى لها بعد ذلك، فاشترت دجاجةً بدرهم ودانقين فشوتها وخبزت خبزًا وجعلت له أصباغًا كالحلوى، يعني الحلى مع الطعام، ثم جاءت بالخوان وهو ما يوضع عليه الطعام، فلما ذهب ليأكل وقف سائلٌ بالباب فقال: تصدقوا عليه، فكف الربيع بن خثيم عن الأكل وقال: خذي هذا فادفعيه إليه، قالت: فأنا أصنع ما هو أحب إليه، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك، قال: قد أحسنتِ، أتيني بثمنه، فجاءت بثمن الدجاجة والخبز والأصباغ، فقال: ضعيه على هذا وادفعيه جميعًا إلى السائل.

أين نحن من هؤلاء؟ وكان الربيع لا يعطي أقل من رغيف، ويقول: إني لأستحي أن يرى في ميزاني أقل من رغيف.

وأما عامر بن عبد الله بن الزبير وهو من أجواد الناس فقد اشترى نفسه من الله بديته ست مرات تصدق بها، يدفع الدية ست مرات ليفدي نفسه من عذاب الله -عز وجل-.

وأما حكيم بن حزام فكان يقف في عرفة ويخرج مائة رقيق، ويقول: هؤلاء عتقاء حكيم بن حزام لله -عز وجل-، وكان يخرج مائة بدنة، ويجعلها هديًا لبيت الله الحرام، فكان أهل الموقف يضجون بالبكاء -أهل عرفة- ويقولون: اللهم هذا عبدك حكيم قد أعتق رقاب عبيده، اللهم أعتق رقابنا من النار.

رجلٌ واحد يقف في الموقف بعرفة ويعتق مائة رقيق، ويرجو أن يعتق الله رقبته من النار، فماذا قدمت في حجك في يوم عرفة؟ بل ماذا ستقدم في هذه الأيام وأنت تستقبل شهر الله الكريم؟ نسأل الله -عز وجل- أن يبلغنا وإياكم إياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت