وكان ابنه قيس جوادًا كريمًا له عجائب وغرائب في الكرم والجود، كان يطعم الناس في أسفاره مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نفذ ما معه تدين واقترض، وكان ينادي في كل يوم: هلموا إلى اللحم والثريد.
وكان ابن سيرين يقول: كان سعدٌ ينادي على أُطمة: من أحب شحمًا ولحمًا فليأتي، ثم أدركت ابنه مثل ذلك، ومن يشابه أبه فما ظلم.
بأبه اقتدى عديٌ في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
ولهذا يقول الذهبي -رحمه الله- في السير:"وجود قيس يضرب به المثل، وقفت عليه عجوز فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان"هي تعرض بالحاجة، والجرذان إنما تكون في حال وجود الطعام، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي، فقال: ما أحسن هذه الكفاية، املئوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا.
ومرض مرةً فاستبطأ إخوانه فلم يعودوه، فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الديون، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديًا ينادي بالمدينة من كان عليه لقيس بن سعد حقٌ فهو منه برئ، فانكسرت عتبته بالعشي لكثرة زواره وعواده.
وقد قيل له مرةً: هل رأيتَ أحدًا هو أسخى منك؟ فقال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم -يعني كلوا منها ما شئتم- فلما كان الغد جاء بأخرى ونحرها وقال: شأنكم، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة، لم نأكل منها إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم الضيفان البائت، فأقمنا عنده أيامًا والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا منه وخرجنا، فلما متع النهار -يعني ارتفع- وإذا برجلٍ يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتموني ثمن القِرى، ثم لحقنا وقال: لتأخذونها أو أطعنكم برمحي هذا، يقول: فأخذناها وانصرفنا، قيس بن سعد بن عبادة يقول: هذا الرجل الأعرابي أكرم مني.