ويقول -رضي الله تعالى عنه- مبينًا لهذا الدافع الذي دفعه إلى هذا البذل الكثير، يقول: خطرت هذه الآية ببالي: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [ (92) سورة آل عمران] يقول: ففكرت فيما أعطاني الله -عز وجل-، فما وجدت شيئًا أحب إليَّ من جاريتي رُميثة، فقلت: هي حرةٌ لوجه الله.
وكان -رضي الله تعالى عنه- إذا أعجب بشيء من ماله إعجابًا شديدًا قربه لله -عز وجل-.
ركب عشية على بعير وكان من خيار الإبل فأعجبه، لما أعجبه وقف في مكانه ثم نزل منه وقال لمولاه نافع: سيره مع البدن، يعني قدمه للبيت مع البدن التي تنحر تقربًا إلى الله -عز وجل-، قال: يا نافع انزعوا زمامه ورحله، وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البدن.
وهذا معنىً ينبغي للمؤمن أن يقف عنده، هل سألت نفسك، أو هل حاسبت نفسك، أو هل نظرت في حالك فيما تنفق في سبيل الله -عز وجل-، هل فكرت في هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [ (92) سورة آل عمران] هل تأملتها ثم أخرجت في يومٍ واحد من دهرك شيئًا يعجبك وتحبه من هذا المال؟ هل فعلت ذلك قط؟ إن كنت لم تفعل فلتفعل؛ لأننا نرجو ما يرجون، ونؤمل ما يؤملون، ونخاف ما يخافون.
قيل للحسن بن علي -رضي الله تعالى عنه-: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقًا، لا يستكثرون العطاء وإن كان كثيرًا، ولهذا كان الحسن -رضي الله تعالى عنه- يعطي الرجل الواحد مائة ألف دينار.
وكان سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة من فقراء المهاجرين بمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يرجع بثمانين في كل ليلة إلى أهله يشبعهم من الطعام والشراب.