ثم قال تبعًا لعياض - وهو القاضي - والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا وهي مباحة وربما استحبت ، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله ، فإن قوله فيه قول حق وفعله معه حسن عشرته والرفق في مكالمته فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد لله تعالى )0
قلت: فانظر إلى هذا الكلام الذي هو درر وقارنه بواقعنا اليوم والله المستعان 0
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في موضع آخر: ( قال العلماء: تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعًا حيث يتعين طريقًا إلى الوصول إليه بها: كالتظلم ، والاستعانة على تغيير المنكر ، والاستفتاء ، والمحاكمة ، والتحذير من الشر ، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود ، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده ، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود ، وكذا من رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق ويخاف عليه الاقتداء به ، وممن تجوز غيبتهم: من يتجاهر بالفسق أو بالفسق أو الظلم أو البدعة 0 ومما يدخل في ضابط الغيبة وليس بغيبة ما تقدم تفصيله( في باب ما يجوز من ذكر الناس ) فيستثنى أيضًا والله أعلم ) 0 اهـ كلامه0
والمواضع التي تجوز فيها الغيبة ولا تكون محرمة يجمعها قول بعضهم:
القدح ليس بغيبة في ستة *** متظلم ومعرف ومحذر
ومجاهر فسقًا ومستفت ومن *** سأل الإعانة في إزالة منكر
ثالثًا: آثار السلف:
وأما آثار السلف فأكثر من أن تحصر ونكتفي منها بما يلي:
1-محمد بن سيرين:
قال رحمه الله كما في مقدمة ( صحيح مسلم ) : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم ) 0 اهـ
2-الحسن البصري:
قال رحمه الله: ( ليس لأهل البدع غيبة ) 0