الصفحة 9 من 13

وكذلك لو كانت العلة هي العصبية فقط لكانت الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في أقوى بيوت قريش عصبية، والواقع يخالف ذلك، فالخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق بإجماع أهل السنة، وهو من تيم وليست بأقوى بطون قريش في ذلك العصر، ولا بأكثرهم عصبية، بل كانت بنو هاشم أقوى منهم شوكة وأكثر عصبية، ولم تكن الخلافة الأولى فيهم، فدل على أن المقصود ليس هو العصبية .. والله أعلم.

رأي ولي الله الدهلوي:

وممن حاول التماس الحكمة أيضًا في اشتراط النسب القرشي، شاه ولي الله الدهولي، حيث قال: والسبب المقتضي لهذا أي اشتراط النسب القرشي في الإمامة أن الحق الذي أظهره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم، وكان أكثر ما تعيّن من المقادير والحدود ما هو عندهم، وكان المعدّ لكثير من الأحكام ما هو فيهم، فهم أقوى به وأكثر الناس تمسكًا بذلك، وأيضًا فإن قريشًا قوم النبي صلى الله عليه وسلم وحزبه ولا فخر لهم إلا بعلو دين محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أجتمع فيهم حمية دينية وحمية نسبية فكانوا مظنة القيام بالشرائع والتمسك بها، وأيضًا فإنه يجب أن يكون الخليفة ممن لا يستنكف الناس عن طاعته، لجلالة نسبه وحسبه، فإن من لا نسب له يراه الناس حقيرًا ذليلًا، وأن يكون ممن عرف منهم الرئاسات والشرف، ومارس قومه جمع الرجال ونصب القتال، وأن يكون قومه أقوياء يحمونه وينصرونه ويبذلون دونه الأنفس ولم تجتمع هذه الأمور إلا في قريش لاسيما بعدما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونبه به أمر قريش. انظر: حجة الله البالغة (2/ 737) .

رأي محمد رشيد رضا:

وقريب من هذا ما ذهب إليه الشيخ محمد رشيد رضا في مجال التماسه لهذه الحكمة حيث يقول: إن الله تعالى ختم دينه وأكمله بكتابه الحكيم الذي أنزله قرآنًا عربيًا وحكمًا عربيًا، على خاتم رسله العربي القرشي، واقتضت حكمته أن يكون نشره في مشارق الأرض ومغاربها بدعوة قريش وزعاماتهم وقوة العرب وحماية هذه الدعوة بسيوفهم، وكل من دخل في الإسلام من الأعجم وكان له عمل صالح في ه كان تابعًا لهم متلقيًا عنهم، على مساواة الشرع في أحكامه بينهم، ونبوغ كثير من مواليهم الذين استعربوا لهم، وكانت قريش في جملة بطونها أكمل العرب خلقًا وأخلاقًا وفصاحة وذكاء وفهمًا وقوة عارضة، كما كانت أصرح نسبًا في سلالة إسماعيل، وأشرف تأريخًا في العرب بفضائلها وفواضلها، وخدمتها لبيت الله تعالى، فكان مجموع هذه المزايا التي كملت بالإسلام مؤهلًا لها لاجتماع كملة العرب عليها، ثم كلمة من يدخل في الإسلام من شعوب العجم بالأولى، ولا سيما بعد النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة عليه .. ثم يقول: فحكمة جعله صلوات الله وسلامه عليه خلافة نبوته فيها وسببه أمران:-

1)كثرة المزايا التي تنتشر بها الدعوة وتكون بحسب طباع البشر سببًا لجمع الكلمة، ومنع المعارضة والمزاحمة أو ضعفها وكذلك كان.

2)أن تكون إقامة الإسلام متسلسلة في سلائل أول من تلقاها ودعا إليها ونشرها حتى لا ينقطع اتصال سيرها المعنوي والتأريخي .. انظر: الخلافة أو الإمامة العظمى (ص 21) .

مناقشة هذين الرأيين:-

وهكذا يلاحظ أن كلًا من الدهلوي ورشيد رضا يرى الحكمة من اشتراط القرشية لما لهذه القبيلة من المنزلة والفضل والمكانة، وقد يكون هذا هو السبب وقد يكون غيره على أننا لا نسلم بجميع هذه النقاط الجزئية التي ذكراها، وعلى سبيل المثال قول الدهلوي: (الحق الذي أظهره الله على لسان نبيه إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم .. ) ، فهذا ليس على إطلاقه، فأكثر عاداتهم حاربها الإسلام وحرمها ولم يقر من عاداتهم إلا القليل جدًا، والتي تتلاءم وما جاء به الإسلام، كإكرام الضيف ونحوه بعد أن صبغها الإسلام، فلا يجوز أن نقول: إن الإسلام جاء بعادات قريش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت