و نحوها في كلام الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله في عده خدمة قريش لبيت الله الحرام من المزايا والفضائل، فهذه لا ترفع منزلتهم على الذين آمنوا بالله واليوم الآخر بنص القرآن: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر .. } الآية من سورة التوبة. وإن كان لهذه الخدمة منزلة عند العرب وفضيلة لقريش على غيرها، وعمارة المساجد من أفضل القربات عند الله، لكنها لا تنفع صاحبها إذا خلت من الإيمان {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .. } الآية.
و كذلك قوله: (واقتضت حكمته أن يكون نشره في مشارق الأرض ومغاربها بدعوة قريش وزعامتهم) ، فهذا غير مسلم به، لأن الدعوة أول ما انتشرت كانت بمساهمة جميع المسلمين من قريش، ومن الأنصار ومن القبائل العربية الأخرى، بل من الأعاجم أيضًا، فكان كل فرد يأتي فيسلم ويتعلم أمور الدين ثم ينقلب إلى قبيلته داعيًا إلى الله فيؤمن على يديه الخلق الكثير، وقد تؤمن القبيلة بأكملها بسبب هذا الداعية فينضمون إلى جند الله ناشرين لهذا الدين وداعين له، وبذلك انتشرت الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها، وكانوا تحت قيادات مختلفة قرشية وغير قرشية.
وكذلك اعتباره كونها في سلسلة واحدة متصلة من الأسباب التي خصت قريش بالإمامة، فهذا أيضًا غير مسلم، لأنه قد يفهم من ذلك التوارث في الإمامة، وهذا قد اتفق العلماء على أنه ليس من الإسلام في شيء، ولم يقل به إلا الروافض. انظر: الفصل في الملل والنحل (4/ 167) .
والآن نأتي إلى الرأي الراجح في هذه المسألة .. وهي الحكمة في اشتراط القرشية في الإمامة ..
قلت والله أعلم: أن قريشًا هي أفضل قبائل العرب بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله اصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. رواه مسلم وقد سبق تخريجه في حلقة مضت.
فالعرب في الأجناس وقريش في العرب مظنة أن يكون فيهم الخير أعظم مما يوجد في غيرهم، ولهذا كان منهم أشرف خلق الله النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلًا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان منهم الخلفاء الراشدون وسائر العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب السابقون الأولون ممن لا يوجد لهم نظير في سائر الأجناس، فلابد أن يوجد في الصنف الأفضل مالا يوجد مثله في المفضول، فمظنة وجود الفضلاء في قريش أكثر من مظنة وجودهم في غيرها، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم دون غيرهم من قريش وهو أفضل بطون قريش، لأنها بطن من قبيلة فعددها محصور وقليل، فلا يلزم أن يكون الفضلاء فيها، كما أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم، وإنما في بني تيم وهو أبو بكر، ثم عمر من بني عدي، ثم عثمان من بني أمية، ثم علي من بني هاشم.
ومما يدل على فضل العرب على غيرهم قول الإمام أحمد في رواية الإصطخري عند ذكر عقيدته: ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم لحديث: (حبهم إيمان وبغضهم نفاق) ولا بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل، فإن لهم بدعًا ونفاقًا وخلافًا. انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 30) .
ومن الحكمة أيضًا أن الله سبحانه وتعالى قد ميزهم عن غيرهم من سائر القبائل بقوة النبل وسداد الرأي، وهما صفتان هامتان وضروريتان للإمام، يدل على ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للقرشي مِثلَي قوة الرجل من غير قريش) فقيل للزهري: ما عني بذلك؟ قال نبل الرأي. المسند (4/ 81) والمستدرك للحاكم (4/ 72) وصححه على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي.
وقد يكون هذا هو السبب في تخصيص قريش بالإمامة وقد يكون غيره، ولا أثر لعدم معرفتنا الحكمة من ذلك على الحكم العام والعمل به وهو اشتراط القرشية في المرشح للإمامة.