قال ابن حجر: قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن أن يقع عقلًا، وإن كان لا يقع عادة أو شرعًا. انظر: الفتح (13/ 119) .
الحكمة من اشتراط القرشية ..
من المسلم به أن كل تشريع من الله سبحانه وتعالى ولابد له من حكمة ومقصد شريف، علمه من علمه وجهله من جهله، ونحن لسنا مطالبين بمعرفة حكمة كل تشريع يرد، بل مطالبون بالتحقق من صحة هذا التشريع ثم تنفيذه في واقع الحياة العملي سواء اتضحت لنا حكمته أم لا، ومن هذا القبيل اشتراط القرشية في الإمام.
وقد حاول بعض العلماء الاهتداء إلى هذه الحكمة والتعرف عليها، ومن أشهرهم ابن خلدون، وولي الله الدهلوي ومحمد رشيد رضا ..
رأي ابن خلدون:-
قال ابن خلدون في المقدمة: إن الأحكام الشرعية كلها لابد لها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لأجلها، ونحن إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في المشهور، وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها حاصلًا، لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت، .. فلابد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها، وإذا سبرنا وقسنا لم نجد إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب لتسكن إليه الملة وأهلها، وينتظم حبل الإلفة فيها، وذلك أن قريشًا كانوا عصبة مضر وأصلهم، وأهل الغلب فيهم، وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف، فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، ويستكينون لغلبهم، فلو جُعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة .. والشارع يحذر من ذلك، لأنه حريص على اتفاقهم ورفع التنازع والشتات بينهم لتحصل اللحمة والعصبية وتحسن الحماية، بخلاف ما إذا كان الأمر في غير قريش، لأنهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد من خلاف عليهم ولا فرقة، لأنهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها، فاشتراط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهو أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة .. فإذا ثبت اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بهما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة معينة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها. المقدمة (ص 195 196) . بتصرف.
مناقشة هذا الرأي ..
هذا هو كلام ابن خلدون في الحكمة من اشتراط القرشية .. وأنت تلاحظ أنه جعل مدار علة الشرط هو العصبية، فإن وجدت وجد الشرط وإن عدمت عدم، فإذا لم تكن لقريش عصبية فعلى رأيه لا يلزم أن تكون الإمامة فيهم، بل يجب أن تكون في الأقوى عصبية في ذلك العصر وإن كان من غير قريش. وممن ذهب إلى هذا الرأي عدد من الكتّاب المحدثين مثل: د. محمد ضياء الدين الريس في كتابه النظريات السياسية الإسلامية (ص 302) ، ود. محمد فاروق النبهان في كتابه نظام الحكم في الإسلام (ص 470) ود. محمد فؤاد النادي في كتابه طرق اختيار الخليفة (ص 107) ومؤلفو الخلافة وسلطة الأمة (ص 23) تعريب عبد الغني سني. وإليه ذهب الشيخ عبدالوهاب خلاف في السياسة الشعرية (ص 56) واستحسنه الأستاذ محمد يوسف موسى في نظام الحكم في الإسلام (ص 69) .
لكن عند استقراء النصوص لا نجد أنها تدل على ذلك، فالتشريع الإسلامي جاء تشريعًا للحياة من أول النبوة المحمدية إلى قيام الساعة، فهو غير خاص بزمان معين أو مكان محدد، ولو كان المراد العصبية لنص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، أو للزم أن تكون العصبية دائمًا لقريش، لأن النصوص نصت على قريش بالذات، وهذا ما يقول به أحد خلاف الواقع، فدل على بطلان ذلك.