الصفحة 7 من 13

تقييد السلطة في قريش والتوعد بخروج الأمر عنهم:-

هذا ومع ذلك فلم ترد هذه السلطة مطلقة، وإنما مقيدة بإقامة الدين، وتوعدهم بخروج الأمر عنهم إذا لم يراعوا حقوقها، فقد جاءت الأحاديث المشيرة إلى ذلك على ثلاثة أنحاء ..

الأول: وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به كما في حديث: الأئمة من قريش ما فعلوا ثلاثًا، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. رواه الإمام أحمد في المسند (3/ 183) وقال الهيثمي رجاله ثقات، انظر المجمع (5/ 192) وقد صحح أحمد شاكر هذا الإسناد في تخريجه للمسند برقم (7640) وصححه الشيخ الألباني رحمه الله كما في الجامع الصغير برقم (2755) .

قال ابن حجر: وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. انظر: الفتح (13/ 116) .

الثاني: وعيدهم بأن يسلط الله عليهم من يبالغ في أذيتهم، فعند أحمد من حديث ابن مسعود يرفعه: يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث الله عليكم من يلحاكم كما يُلحى هذا القضيب، لقضيب في يده، ثم لحى القضيب فإذا هو أبيض يصلد. المسند (4/ 458) ور جال أحمد رجال الصحيح انظر: المجمع (5/ 192) .

و ليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم أيضًا، وإن كان في إشعار به.

الثالث: الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم، كما أخرج الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان يرفعه: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زرّاعين أشقياء. والحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أنه ضعيف لانقطاعه لأن سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان.

قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من بقية الأحاديث أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هددوا به من اللعن أولًا وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير وقد وقع .. ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليه ووجد ذلك .. ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزاع الأمر منهم في جميع الأقطار ولم يبق للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار. الفتح (13/ 117) .

هل يجوز خلو قريش ممن هو صالح الإمامة؟

وعلى هذا التساؤل يجيب القاضي أبو يعلى بقوله: لا يجوز خلو قريش ممن يصلح للإمامة خلافًا للجبائي انظر المغني في أبواب التوحيد للقاضي عبدالجبار المعتزلي (20/ 239) وعليه أكثر المعتزلة كما يذكر أبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (9/ 87) ، - في قوله يجوز، وإذا خلوا جاز نصب إمام من غيرهم يستوفي الحقوق ويقيم الحدود والدلالة عليه أنه قد ورد الشرع بالإمامة في قريش، فلو خلت قريش ممن يصلح للإمامة كان فيه تكليف نصبه إمامًا مع عدم القدرة ولا يجوز هذا. المعتمد في أصول الدين (ص 241) .

قلت: ويدل عليه أيضًا حديث ابن عمر المتقدم (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) وهذا وإن لم يُرد حقيقة العدد فإنما يدل على بقاء الوجوب إلى قيام الساعة، ولا يمكن أن يوجب الشرع شيئًا لا وجود له، ويدل عليه أيضًا حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى قيام الساعة) . الترمذي (4/ 503) وقال حديث حسن صحيح.

و يستدل به أيضًا على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني، فإن لم يوجد فمن بني إسماعيل، فإن لم يوجد منهم أحد مستجمع الشروط فعجمي، وفي وجه جرهمي وإلا فمن ولد إسحاق. انظر: نهاية المحتاج (7/ 409) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت