أحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر كما كان في أول الأمر غريبًا ثم يظهر. ولهذا قال: «سيعود غريبًا كما بدأ» حتى لما بدأ كان غريبًا لا يعرف ثم ظهر وعرف؛ فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ثم يظهر ويعرف فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولًا.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى من المسلمين إلى قليل، وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة، وحينئذ يبعث الله ريحًا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة.
وأما قبل ذلك فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» وهذا الحديث في الصحيحين ومثله من عدة أوجه.
فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق أعزاء لا يضرهم المخالف ولا خلاف الخاذل. فأما بقاء الإسلام غريبًا ذليلًا في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا أبدًا بإذن الله.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثم يعود غريبًا كما بدأ» أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه وقد قال تعالى: { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } [المائدة: 54] ، فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.
وكذلك بدأ غريبًا ولم يزل يقوى حتى انتشر، فهكذا يتغرب في كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عزَّ وجلَّ كما كان عمر بن عبد العزيز لما ولي؟ قد تغرب كثير من الإسلام على كثير من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر فأظهر الله به في الإسلام ما كان غريبًا.
وفي السنن: «إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» والتجديد إنما يكون بعد الدروس وهو غربة الإسلام.