فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 524

""""""صفحة رقم 74""""""

جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم لقبوله ، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه الربوة بعين لا قذى بها ، أبصر الحق عيانًا بلا مرية ، وأخبر عنه بلا فرية ؛ ومتى صدق نظرك في مابدىء الأحوال وأوائل الأمور وضح لك هذا كله كالنهار إذا متع ، واستنار كالقمر إذا طلع ؛ ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحق وحصول الصواب ، إلا ما يلتاث بالهوى ، ويسمج بالتعصب ، ويجلب اللجاج ، ويخرج إلى المحك ؛ فهناك يطيح المعنى ويضل المراد ، فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم وصواب هذا الرأي ، فاسمع ما أرويه: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: انصرف العباس بن مرداس السلمي من مكة فقال: يا بني سليم ، إني رأيت أمرًا ، وسيكون خيرًا ، رأيت بني عبد المطلب كأن قدودهم الرماح الردينية ، وكأن وجوههم بدور الدجنة وكأن عمائمهم فوق الرجال ألوية ، وكأن منطقهم مطر الوبل على المحل ؛ وإن الله إذا أراد ثمرًا غرس له غرسًا ، وإن أولئك غرس الله ؛ فترقبوا ثمرته وتوكفوا غيثه ، وتفيئوا ظلاله ، واستبشروا بنعمة الله عليكم به . ولقد قرع العباس بهذا الكلام باب الغيب ، وشعر بالمستور ، وأحس بالخافي ، واطلع عقله على المستتر ، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع ، والحادث المتوقع ؛ وهذا شيء فاشٍ في العرب ، لطول وحدتها ، وصفاء فكرتها ، وجودة بنيتها واعتدال هيئتها ، وصحة فطرتها ، وخلاء ذرعها ، واتقاد طبعها ، وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها ، وجولانها في اشتقاقاتها ، ومآخذها البديعة في استعاراتها ، وغرائب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت