""""""صفحة رقم 75""""""
تصرفها في اختصاراتها ، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها ، وفنون تبحبحها في أكناف مقاصدها ، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها ؛ وهذا وأضعافه مسلم لهم ، وموفر عليهم ، ومعروفٌ فيهم ومنسوبٌ إليهم ، مع الشجاعة والنجدة والذمام والضيافة والفطنة والخطابة والحمية والأنفة والحفاظ والوفاء ، والبذل والسخاء ، والتهالك في حب الثناء والنكل الشديد عن الذم والهجاء ؛ إلى غير ذلك مما خصت به في جاهليتها قبل الإسلام ، مما لا سبيل إلى دفعه وجحوده ، والبهت فيه ، والمكابرة عليه ؛ وقد سمعنا لغاتٍ كثيرةً - وإن لم نستوعبها - من جميع الأمم ، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب وأندلس والزنج ، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية ، أعني الفرج التي في كلماتها ، والفضاء الذي نجده بين حروفها ، والمسافة التي بين مخارجها ، والمعادلة التي نذوقها في أمثلتها ، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها ؛ وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول ، وصحة هذا الحكم ، فالحظ عرض اللغات الذي هو بين أشدها تلابسًا وتداخلًا ، وترادفًا وتعاظلًا وتعسرًا وتعوصًا ، وإلى ما بعدها مما هو أسلس حروفًا ، وأرق لفظًا ، وأخف اسمًا ؛ وألطف أوزانًا ، وأحضر عيانًا ؛ وأحلى مخرجًا وأجلى منهجًا وأعلى مدرجًا ؛ وأعدل عدلًا ، وأوضح فضلًا ، وأصح وصلًا إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة ، ثم تنتهي إلى العربية ، فإنك تحكم بأن المبدأ