""""""صفحة رقم 67""""""
الليلة الخامسة
قال لي ليلة أخرى: ألا تتمم ما كنا به بدأنا . قلت: بلى . قأما أبو إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقمية ، وأمضاهم على المحجة الوسطى ، وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو ؛ وليس ابن عباد في النحو بذاك ؛ ولا كان أيضًا ابن العميد إلا ضعيفًا ؛ وكان يذهب عنه الشيء اليسير . وأبو إسحاق معانيه فلسفية ، وطباعه عراقية ، وعادته محمودة ؛ لا يثب ولا يرسب ، ولا يكل ولا يكهم ، ولا يلتفت وهو متوجه ، ولا يتوجه وهو ملتفت . وقال لنا: إمام ابن عبدكان ، وهو قد أوفى عليه ، وإن كان احتذى على مثاله ؛ وفنونه أكثر ، ومأخذه أخفى ، وخاطره أوقد ، وناظره أنقد ، وروضه أنضر ، وسراجه أزهر ، ويزيد على كل من تقدم بالكتاب التاجي ، فإنها أبان عن أمور وكنى في مواضع ، وشن الغارة في الصبح المنير مع الرعيل الأول ، ودل على التفلسف ، وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في الخطابة ، وأعرق الكتاب في الكتابة ، هذا ونظمه منثوره ، ومنثوره منظومه ؛ إنما هو ذهبٌ إبريزٌ كيفما سبك فهو واحد ، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكل عليه ؛ هذا مع الظرف الناصع والتواضع الحسن ، واللهجة اللطيفة ، والخلق الدمث ، والمعرفة بالزمان ، والخبرة بأصناف الناس ؛ وله فنونٌ