فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 524

""""""صفحة رقم 29""""""

المواجهة ، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض ، وأركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوبة ولا انحياش . قال: لك ذلك ، وأنت المأذون فيه ، وكذلك غيرك ، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة ؟ إن الله تعالى - على علو شأنه ، وبسطه ملكه ، وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء والكاف ، ولو كان في الكناية بالهاء رفعةٌ وجلالةٌ وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد لكان الله أحق بذلك ومقدمًا فيه ، وكذلك رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) والأنبياء قبله - عليهم السلام - وأصحابه - رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان - رحمة الله عليهم - وهكذا الخلفاء ، فقد كان يقال للخليفة: يا أمير المؤمنين أعزك الله ، ويا عمر أصلحك الله ؛ وما عاب هذا أحد ، وما أنف منه حسيب ولا نسيب ، ولا أباه كبيرٌ ولا شريف ؛ وإني لأعجب من قومٍ يرغبون عن هذا وشبهه ، ويحسبون أن في ذالك ضعةً أو نقيصةً أو حطًا أو زرايةً ، وأظن أن ذلك لعجزهم وفسولتهم ، وانخزالهم وقلتهم وضؤولتهم ، وما يجدونه من الغضاضة في أنفسهم ، وأن هذا التكلف والتجبر يمحوان عنهم ذلك النقص ، وذلك النقص ينتفي بهذا الضلف ؛ هيهات ، لا تكون الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء ومن مقابح الزهو والكبرياء . فقلت: أيها الوزير ، قد خالطت العلماء ، وخدمت الكبراء وتصفحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم ، فما سمعت هذا المعنى من أحدل على هذه السياقة الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين ؛ وقد قال بعض السلف الصالح: ' ما تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه ' . والتصاغر دواء النفس ، وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين ؛ ولذلك قال ابن السماك للرشيد - وقد عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته -: ' يا أمير المؤمنين ، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك ، وإني أظن أن دمعتك هذه قد أطفأت أوديةً من النار وجعلتها بردًا وسلامًا ' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت