""""""صفحة رقم 20""""""
قد عبقوا بفوائح الفتوة ، وعلقوا بحبائل المروءة ، وشدوا من الحكمة أشرف الأبواب ؛ واعتزوا من الأدب إلى أعز حرم ؛ وحازوا شرفًا بعد شرف ، وانحازوا عن نطف بعد نطف ونظروا إلى الدنيا بعين بصيرة ، وعزفوا أنفسهم عن زهراتها بتجربة صادقة . فأول ما أبدؤك به أنني طننت ظنًا لا كيقين أن شيئًا مما كنت فيه مع الوزير - أدام الله أيامه ، وقصم أعداءه - ليس مما يهمك ، ولا هو مما يقرع سمعك سماعك له ؛ وحسبت أيضًا أنني إن بدأت بشيء منه رذلتني عليه وتنقصتني به ، وزريت علي فيه ؛ وأنك ربما قلت: لم بدأت بما أسئلك عنه ولم أرخص لك فيه ، هلا كظمت على جرتك ، وطويت ما بين جنبيك وما علي مما يدور بين الصاحب وخادمه والرؤوساء ، والناظرين في أمور الدهماء والمتصفحين لأحوال العامة والخاصة ، ولهم أسرار وعيوبٌ لا يقف عليها أقرب الناس إليهم ، وأعز الناس عليهم ، وأنت أيضًا فلم تسألني عنه ، فكان في تقديري أنك قد عرفت وصولي في وقت دون وقت ، وأنك قد حملت أمري على الخدمة التي ليس للعلم بها فائدة ، ولا في الإعراض عنها فائتة . وإذ جرى الأمر على غير ما كان في حسابي وتلبس بظني ، فإني أهدي ذلك كله بغثاثته وسمانته ، وحلاوته ومرارته ، ورقته وخثارته في هذا المكان ؛ ثم أنت أبصر