الصفحة 98 من 207

بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرحِيمِ

حُكْمُ المُشارَكَةِ فِي مُحاصَرَةِ المُسْلمينَ

رَقَمُ الفَتْوى: 56/ 16/2306

(لا مانِعَ من نَقْلِها دُونَ تَصَرُّفٍ فِيها البَتّةَ)

وسُئِلَ عَن حُكْمِ مَنْ يُشارِكَ الكُفارَ فِي مُحاصَرَةِ المُسْلِمينَ؛ فَيَمْنَعُ عَنْهُمُ الطعامَ والدواءَ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإذا كانَ فِي المُحاصِرِينَ (بِكَسْرِ الصادِ) مَنْ يُعْتَذرُ لَهُ بالجَهْلِ والإكراهِ ونَحْوهِ؛ فَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ العَدُوِّ أمْ إنَّ بَيْنَهما فَرْقًا؟.

فَأجابَ:

الحَمْدُ للهِ أما بَعْد:

فَإنَّ الفِعْلَ المذكُورَ مِن أعْظَمِ المُظاهَرَةِ للكُفارِ علَى المُسْلمِينَ؛ فَإنْ كانَ ذلكَ لِمَحَبَّةِ دِينِهِمْ وتَمَنِّي ظُهُورِهِم علَى أهْلِ الإسلامِ فَذلكَ مِن نَواقِضِ الإسلامِ، وإنْ كانَ طَمَعًا فِي دُنْيا يَنالُها فَمِنَ العُلَماءِ من عَدَّ ذلكَ من الكُفْرِ أيْضًا، والأدِلّةُ من الكِتابِ والسنَّةِ علَى حُرْمَةِ تَوَلِّي المشرِكينَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، بَلْ لا يُعْرَفُ حُكْمٌ من الأحْكامِ فِي كِتابِ اللهِ تعالَى وَرَدَ التوكِيدُ علَيهِ كَما وَرَدَ فِي هَذا، قالَ تعالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... } الآية؛ وهُو خِطابٌ للنَبِي صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ؛ والمقصودُ مِنهُ إِبْلاغُ أهْلِ الإسلامِ كافّةً، وفِي أضواءِ البيان: وَإِيرادُ الإنْشَاءِ بِلَفْظِ الخَبَرِ أَقْوَى وَأَوْكَدُ مِنْ إيرَادِهِ الإنْشَاءَ؛ كَمَا هُوَ مَعْلومٌ في مَحَلّهِ. انتهى.

والمَعْنَى: يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أنْ لا يُوَادُّوهُم، فَهُو إمّا خارِجٌ مَخْرَجَ النَّهيِ للمُؤمِنينَ - كما قالَ الماوَرْدِيُّ - أو مَخْرَجَ صِفَةِ المَدْحِ لهم.

وفِي الجَلالَين: بَلْ يَقْصِدُونَهُمْ بالسوءِ ويُقاتِلُونَهُمْ علَى الإيمان. انْتَهى، وبُغْضُ مَن لَمْ يُؤمِن وُمعاداتُهُ من مُقْتَضَياتِ الإيمان.

قالَ الزمَخْشَري: مُبَالَغَةٌ فِي النّهْيِ عَنْهُ والزّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ؛ وَالتَّوْصِيَةِ بِالتّصَلُّبِ فِي مُجَانَبَةِ أَعْداءِ اللهِ وَمُبَاعَدَتِهِمْ والاحْتِراسِ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُعاشَرَتِهِمْ. انتهَى.

وصيغَةُ المُفاعَلة كِنايَةٌ عن الوُدِّ الصادِقِ الذِي يُقابِلُهُ المُودُودُ بِمْثِلِهِ؛ ويُعْرَفُ ذلكَ بِقَرائنِ الأحْوالِ وما يَقُومُ علَيْها من الشواهِدِ؛ كالمَذكُورِةِ فِي السؤالِ؛ وهَلْ فِي مُوادّةٍ المُشْرِكينَ أعْظَمُ مِن إعانَتِهِمْ علَى إهْلاكِ أهْلِ الإسلامِ بِمَنْعِ أسْبابِ الحَياةِ عَنْهُم؟!.

وقَدْ قالَ تعالَى: {الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} ؛ فكُلُّ من كانَ غَرَضُهُ من القِتالِ رِضاَ غَيرِ اللهِ تعالَى فَهُو فِي سَبيلِ الطاغُوت، قالَ الفَخْرُ الرازِيّ: لأَنَّهُ تَعَالَى لَمّا ذَكَرَ هذِهِ القِسْمَةَ وَهِيَ: أَنَّ القِتَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَوْ فِي سَبِيلِ الطاغُوتِ؛ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا سِوَى اللهِ طَاغُوتًا. انْتَهى.

ثُمَّ إنْ كانَتِ المُوادَّةُ مَمَنوعَةً مَعَ أقْرَبِ الأقَرِبينَ؛ وهُم الآباءُ والأبْناءُ والإخْوانُ؛ مَعَ شِدَّةِ تَعَلُّقِ النفْسِ بِهَؤلاءِ؛ ومَعَ ما أمَرَ بِهِ الشارِعُ مِن مُصاحَبَةِ الوالِدَينِ بالمَعْروفِ حَتَّى مَعَ شِرْكِهِما؛ فَمَعَ الأبْعَدِينَ المُجاهِرِينَ بِعَداوَةِ المُسلمِينَ لإسلامِهِمْ أَوجَبُ وأولَى، وإنَّما قَدَّمَ الآباءَ فِي الآيَةِ لأنَّهُمْ أقْدَمُ حُرْمَةً؛ ثُمَّ ثَنَّى بالأبْناءِ لأنَّهُمْ أحْكَمُ مَحَبَّةً، وثَلَّثَ بالإخْوانِ لأَنَّهُم المُناصِرُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت