الصفحة 99 من 207

لَهُم، وخَتَمَ بالعَشيرَةِ لأَنَّ أبْناءَها أبْناءُ دَمٍ واحِدٍ؛ وَلأنَّ الاسْتِنْصارَ بِها يأتْي آخِرًا!، بلْ قَدْ ذكَرَ الثورِيُّ أنّ من السلَفِ منْ كانَ يُنَزِّلُ الآيَةَ علَى مَن يُصاحِبُ سَلاطِينَ الجَورِ!؛ واستَدَلَّ بِها مالكٌ علَى حُرْمَةِ مُجالَسَةِ القَدَرِيِّةِ؛ وذلكَ كُلُّهُ حَقٌّ ومِمّا تَناوَلَتْهُ الآيَةُ، وهِي تَتَناوَلُ ما فِي السؤالِ تَناوُلًا أوّلِيًا، فالوُدُّ لا يُحْصُلُ مِن المُسْلِمينَ للمُشركينَ لا ظاهِرًا ولا باطِنًا، قالَ البقاعِي: وأقله الموافقة في المظاهرة. يَعْنِي أنَّ ذلكَ أقَلُّ مَا يُقالُ فِيما تَتناوَلُهُ الآيَةُ بالنَّهِيِ؛ فَكَيفَ إذا كانَت المُوافَقَةُ بالباطِنِ أيْضًا؟!.

وفِي تفسيرِ القشَيرِي: مَنْ جَنَحَ إِلَى مُنْحَرِفٍ عَنْ دِينِهِ، أَوْ دَاهَنَ مُبْتَدِعًا فِي عَهْدِهِ نزَعَ اللَّهُ نورَ التّوْحِيدِ مِنْ قَلْبِهِ؛ فُهُوَ فَي خِيانَتِهِ جَائرٌ عَلَى عَقِيدَتِه، وسَيذُوقُ قَرِيبًا وَبَالَ أَمْرِهِ. انتهى.

وفِي مَعْنَى هَذهِ الآيَةِ آياتٌ كَثِيراتٌ:

مِنْها: قَولُهُ تعالَى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤا مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ} .

التأسِّي بِهم فِي ثلاثٍ:

التبَرُّؤُ مِنْهُمْ؛ أي: منْ مُخالَطَتِهِمْ ومُلابَسَتِهم، ومِمّا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله، قالَ البقاعي: لَمّا كَانَتِ البَراءَةُ عَلَى أَنْحَاءَ كَثِيرَةٍ؛ بَيَّنُوا أَنّهَا بَرَاءَةُ الدّينِ الجامِعَةُ لِكُلِّ بَرَاءَةٍ. انتهى. ...

والكفرُ بِهم؛ وهُو غَيرُ الكُفْرِ مِما يَعْبُدُون، فَهُما واجِبانِ ...

وإبداءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ؛ ومُكاشَفَتُهُم بالمُنافَرَةِ وَإعْلانُها وَإظْهَارُهَا أبدًا - وذلكَ غايَةُ ما يَستَطِيعُهُ أمْثالُهُمْ مِن المُسْتَضعَفِينَ؛ لقِلَّتِهم وضَعْفِهم فِي قَومِهم؛ وعجْزِهِم عن تغْييرِ المُنكَرِ الذِي عَلَيهِ قَومُهم باليَدِ - إلاَّ أنْ يأتُوا بالغايَةِ المذكُورَةِ وَهِي الإيمانُ باللهِ وحَدَه، وإنما سُمِّيَتِ العَداوَةُ عَداوَةً لأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْدُو علَى الآخَر. ولاَ يَكُونُ ذَلكَ إِلاّ عِنْدَمَا يَسْتَخِفُّ الغَيْظُ المُسْلِمَ لإرَادَةِ أَنْ يَشْفِيَ صَدْرَهُ مِنْ شِدّةِ ما حَصَلَ لَهُ مِنْ حَرارَةِ الخَنَقِ علَى عُدُوِّ الدينِ.

وذِكْرُ التَأبِيدِ {أَبَدًا} فِي الآيَةِ حَذَرًا مِن تَوّهُمِ زَوالِها، وتَعْلِيُقُ الغَايَةِ (بالإيمانِ) إِخْراجٌ لِما عَساهُ يُكُونُ مِن حَظِّ النفْسِ؛ فَإنَّ من الناسِ مَن يُبْغِضُ ويُعادِي لأجْلِ ذلكَ؛ لا للهِ.

وصَدْرُ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ - التِي حَوتْ هَذهِ الآيَةَ - هُوَ قَولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ؛ قال ابنُ عادلٍ في اللباب: هذه السورَةُ أصْلٌ فِي النهْيِ عن مُولاةِ الكفار. انتهى. وقَدْ ذُيِّلَ هذا النّهْيُ بِقَولِهِ تعالَى: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} ؛ وهُو شَرْطٌ بِمَنْزِلَةٍ التتْميمِ لما قَبلَهُ دُونَ قَصْدِ تَعْليقِ ما قَبلَهُ بِمَضمونِ فِعْلِ الشرطِ؛ بل المُرادُ تأكيدُ الكلامِ الذِي قبلَهُ بمَضْمونِ فعْلِ الشرطِ؛ فَهُو كالتعلِيلِ لما قَبْلَهُ؛ ويُؤتَى بِمِثْلِهِ إذا كانَ المُتَكَلِّمُ واثِقًا بِحُصُولِ مَضْمُونِهِ؛ مُتَحَقِّقًا صِحَةَ ما يَقُولُهُ قَبلَ الشرْطِ، انتهى مُخْتَصَرًا من كَلامِ الطاهِرِ ابن عاشُور، والمعْنَى أنَّ الخُروجَ للجِهادِ فِي سبيلِ اللهِ يُنافِي اتخاذَ عدوي وعَدُوَّكُمْ أولياءَ ومَودَّتَهُم.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عنه: يُنْتَزُعُ من هَذهِ الآيَةِ الكَريمَةِ بُطْلانُ دَعُوى مَن زَعَمَ مِن المُفْتينَ! أنَّ مُشارَكَةَ الصلِبِيينَ فِي العُدْوانِ علَى أَهْلِ الإسلامِ وبِلادِهِم؛ أوْ مُحاصَرَتِهم والتضْييقِ علَيْهِم مِن الجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ!، حَتّى سَمِعْنا مِنْهم مَن يُفْتِي بأنَّ من يُقْتَلُ مِن عامّةِ الجَنْدِ المُنْتَسبينَ إلَى الإسلامِ والموالِينَ لِعَدُوِّ الإسلامِ شَهِيدٌ فِي سَبيلِ اللهِ؛ ويُسَمُّونَ المُجاهِدِينَ الذِي يُقاتِلُونَ الصلِيبِيينَ واليَهُودَ وأولِياءَهُمْ مُفْسدِينَ وأشرارًا!!، {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت