الصفحة 95 من 207

بِسقوطِ شَهادَتِهِ وإمامَتِه، وَأفْتَوْا بأَنَّ مُحارَبَةَ المُجاهِدِينَ رِقَّةٌ فِي الديانَةِ وضَعْفٌ فِي الأمانَةِ وإهانَةٌ لما عَظمَ اللهُ تعالَى قَدْرَه؛ ومَن قَصَدَ بِمُحارَبَتِهِ لَهمْ مَحَبَّةَ الكفارِ ونَصْرَتَهُم فَلا إشكالَ فِي كُفْرِهِ؛ وقَطَعَ العلامَةُ الفقِيهُ العِراقِيُّ بكَونِهِ ردّةً لأنهُ لا يَصْدُرُ إلا عَمَّنْ خَلَعَ رِبقَةَ الإسلامِ مِن عُنُقِه، وأفْتَوْا بأنَّ مَن يَتَرَدَّدُ إلَى العَدُوِّ ويُعْلِمُهُ بأحْوالِ المُسلمينَ فَقَدْ أشْبَهَ الجاسُوسَ وإنْ لَم يَقْصِدِ التَّجَسُّسَ علَى المسلمينَ، وأفْتَوا بأنَّ من عَرَّفَ العَدُوَّ بالطرُقِ التِي تُؤدِّي إلَى استِيلائِهم علَى المُسلمينَ فَهُوَ إلَى الكُفْرِ أقْرَبُ مِنهُ إلَى الإيمان.

ولَهُم كَثِيرٌ منْ الفتاوِي فِي البابِ علَى غِرارِ ما ذكَرْناه؛ كما فِي حاشِيَةِ الدسوقِي: وَكَذَا يُمْنَعُ أَنْ يُبَاعَ لِلْحَرْبِيِّينَ آلَةُ الْحَرْبِ مِنْ سِلاَحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سَرْجٍ؛ وَكُلِّ مَا يَتَّقُونَ بِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَاعُونٍ. انتهى، ونحْوُهُ فِي حاشِيَةِ الصاوِي؛ وفِي تَبصِرَةِ الحكامِ، وغَيرها.

وَذَكَرَ فِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا عَنْ الشَّاطِبِيِّ: أَنَّ بَيْعَ الشَّمْعِ لَهُمْ مَمْنُوعٌ إذَا كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى إضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ!.

ورَأَيْتُ لِبَعْضِ العُلَماءِ فِي الهِنْدِ فِي القُرُونِ الماضِيَةِ فَتَوى بِجَوازِ قِتالِ مَن عُرِفَ عَنْهُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عن قِتالِ المُسْلِمينَ إذا طُلِبَ مِنْهُ ذلكَ حَتى وإنْ لَمْ يُباشِرِ القِتالَ؛ وهِي مَنْقولَةٌ فِي تَرجَمَتِهِ من نُزْهَةِ الخُواطِرِ لِعَبْدِ الحَيِّ الْحَسَنِيِّ.

وهكذا أفْتَى العُلماءُ فِي المُسْلمِينَ الذِينَ بَقُوا تَحْتَ حُكْمِ النصارَى فِي الأنْدَلُسِ ثُمَّ أصْبَحُوا يُعِينُونَهُمْ بِحَمْلِ المِيرَةِ والطعامِ إلَيْهِمْ وقْتَ قِتالِهِم للمُسْلمِينَ؛ فَأفَتى العَلامَةُ الفقِيهُ عَبدُ الواحِدِ بنُ عاشِرٍ من عُلماءِ المالكيةِ فِي القَرْنِ الحادِي عَشَرَ الهِجْرِيِّ بِقِتالِهِم لَما رَأى مِنْهُم ذلكَ.

وحَكَى الشيخُ تَقِيُّ الدينِ الهلالِيُّ فِي بَعْضِ رَسائلِهِ: أن فقهاءَ المغربِ كانوا يكَفِّرُونَ كلّ من سافرَ إلَى الجزائر لأنّها تحتَ حُكْمِ الفِرَنْسِيِّينَ، وإذَا رجعَ من سَفَرِهِ يأمرونَهُ بالاغتسالِ والدخُولِ في الإسْلامِ منْ جَديدٍ!، ويَعْقدونَ لهُ عَقْداَ جديدًا على زَوجَهِ.

وإنَّما أشرْتُ إلَى شَيءٍ مِنْ فَتاوِي العُلَماءِ فِي هذا البابِ لِيَأنَسَ بِها الناظِرُ؛ وإلاَّ فَإنَّ أدِلَّةَ البابِ كَثِيرَةٌ مُتَضافِرَةٌ وللهِ الحَمْدُ، وأما ما ذكَرْتُهُ فِيها من الدَّعْوَةِ إلَى المُباهَلَةِ فَإنَّهُ مَقامٌ لَمْ أزَلْ أَتَهَيَّبُهُ وأَتحاشَى الإقْدامَ علَيْهِ واللهِ؛ لِما أعْلَمُهُ من عَظِيمِ خَطَرِهِ، ولَم يَسبقْ لِي أن دَعَوتُ إلَيهِ فِي شَيءٍ من المَسائلِ البَتَّةَ، لكِنّنِي لَما رَأيْتُ الأمْرَ قَدْ جاوَزَ حُدُودَ الشرْعِ إلَى أصُولِهِ وقَواعِدِهِ، ورَأيْتُ المُخالِفَ قَدْ أتَى مِن ذلكَ بِما لا يَحِلُّ الصبْرُ عَنْهُ؛ صَنَعْتُ ما تَرَى؛ رَجاءَ أنْ يَرْبِطَ اللهُ تَعالَى بِهِ علَى قُلُوبِ المُجاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وأن يَكُونَ الصدْعُ بِهِ وَسيلَةً لِرَدْعِ المُتطاولِ علَى مَقامِ الشرْعِ، واسْتَخَرْتُ اللهَ تَعالَى فِي ذلكَ أكثَرَ مِن مَرَّةٍ؛ فَرَأَيْتُ فِيما يَرَى النائِمُ أَنّنِي أصْعَدُ جَبَلًا؛ حَتَّى جِئْتُ فِي وسطِهِ علَى عَقَبَةٍ كَؤُودٍ؛ فَحاوَلْتُ تَجاوُزَها فَعَسُرَتْ علَيَّ فِي الأولَى؛ ثُمَّ رَأيْتُ فِي أعْلَى العَقَبَةِ رَجُلًا جَلْدًا يُدْعَى (عَلاءَ الدِينِ) ؛ مَدَّ يَدَهُ إلَيَّ فَتَجاوَزْتُها بِيُسْرٍ؛ وللهِ الحَمْدِ، ثُمَّ رَأيْتُ فِي أُخْرَى أَنَّنِي أقْفُ علَى حَوضٍ كَبِيرٍ للماءِ؛ وَوَلِدِي واقِفٌ يَمْلَؤُهُ؛ حَتَّى امتَلأَ بِماءٍ عَذْبٍ فُرَاتٍ، ثُمَّ فاضَ الماءُ مِن نَواحِيهِ وانتَشَرَ، فَحَمِدْتُ اللهَ تَعالَى علَيْهِما؛ واسْتَانَسْتُ بِهِما؛ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِن تَأويِلِها أنّ اللهَ تعالَى يَجْعَلُ ذلكَ سَبَبًا لإعْلاءِ دِينِهِ؛ وظُهُورِ ما لا يَسَعُ المُسْلِمينَ جَهْلُهُ مِن العِلْمِ وانْتِشارِهِ بَيْنَهُمْ، وكُنْتُ قَدْ أَفْرَدْتُ مِن نَحْوِ عامِيْنِ هذهِ المسألَةَ ومَثِيلاتٍ لَها فِي تَصْنِيفٍ؛ عُنْوانُهُ: (الصارِمُ الحَدِيدِ علَى عُنُقِ المارِقِ الرِّعْدِيدِ) ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت