مَضَى مِن سَلَفِ الأُمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ, فَإنْ أَبَوْا وَعَاندُوا دَعَوْتُهُمْ إِلَى الْمُباهَلةِ عَلَى صِحَّةِ هَذهِ الفَتْوى وبُطْلانِ مَا ادَّعَوا جَوازَه؛ كما دَعَى إلَى المُباهَلَةِ ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ مَسائِل الْمَوَارِيثِ، وَكَمَا دَعَا إِلَيْهَا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وَالأَوْزَاعيُّ فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ اليَدَيْنِ، وَكَمَا دَعَا إِلَيْهَا الشيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بَعْضَ خُصُومِ الدَّعْوة، وَكَما دَعَا إليهَا العلامةُ الشيخُ ثناءُ اللهِ الإمْرَتْسَرِيُّ الهنديُّ رحمهُ الله القادْيَانِيَّ زعيمَ الطائفةِ القَاديانِيّةِ فقتلَه اللهُ مِنْ عَامِهِ وَأرَاحَ المُسْلِمِينَ مِنْ شَرَّهِ، وأَنا واللهِ أحِبُّ أنْ يَكُونَ بَيْنَنا وبَيْنَ القَومِ ذلكَ، لِيُعَجِّلَ اللهُ تعالَى بِزَوَالِ مَنْ جَلَبَ بِفَتاوَاهُ مِنّا علَى أهْلِ الإسلامِ أَعْظَمَ الشرُور، وحسبُنا الله ونعم الوكيل.
واعْلَمْ أنَّ إِظْهارَ المَيْلِ للعَدُوِّ الكافِرِ والتَعَصَّبَ بِهِ؛ وتَوَلِّيَهُ بالمُعاضَدَةِ والمُناصَرَةِ دائِرٌ بَينَ أنْ يَكُونَ كُفْرًا مُخْرجًا مِن الإسلامِ؛ وبَينَ أنْ يَكُونَ كَبيرَةً مِن أعْظَمِ الكبائِرِ؛ يُباحُ مَعَها قِتالُ وقَتْلُ مَن كانَ هذا حالُهُ، عَلَى تَفْصِيلٍ للعُلَماءِ فِي الباب، نذكُرُهُ فِي غَيرِ هذا المَوضِعِ، فَمَحَلُّ الاتِّفاقِ بَينَ العُلَماءِ إنّما هُو مُقاتَلَةُ من كانَ هذا شَأنَهُ؛ لا الحُكْمَ بِكُفْرِهِ؛ فَإنَّ فِيهِ بَينَ العُلَماءِ خِلافًا، كما فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَينَ المُوالاةِ والتولِّي؛ فجَعَلَ الثانِيةَ كُفْرًا والأُولَى مِن الكَبائرِ.
وهذا مِما يَتَحَرَّرُ بِهِ مَحَلُّ النزاعِ فِي البابِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَكلَّمُ فِي هذهِ المسائلِ من المُعاصِرِينَ يَنْزِعُ إلَى التفْصِيلِ فِي الحُكْمِ بالتكْفِيرِ لِيَتَوَصَّلَ بِذلكَ إلَى المَنْعِ مِن مُقاتَلَةِ مَنْ كانَ حالُهُ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإنَّهُ كَما لا يَلْزَمُ مِن الحُكْمِ بالقِتالِ الحُكْمُ بالتكْفِيرِ؛ فَإنَّ الحُكْمَ بِجَوازِ قِتالِ مَن تولَّى العَدُوَّ الكافِرَ لَيسَ فَرْعًا عَن الحُكْمِ بَتكْفِيرِهِ أَيْضًا.
وفَتاوَى العلماءِ كَثِيرَةٌ فِي هذا البابِ:
كَما قالَ أبو طاهِرٍ السِّلَفِيُّ لِبَعْضِ أمَراءِ المِصْرِيِّينَ المُتَحالِفِينَ مَعَ الصلِيبِيِّينَ لَما حَضُروا لِمُحاصَرَةِ وقِتالِ صلاحِ الدينِ الأيوبِيِّ فِي الإسْكنْدَرِيَّةِ: نَحْنُ نقاتِلُ من جاءَ تَحْتَ رايَةِ الصلِيبِيِّينَ كائِنًا من كانَ!، فَقالَ بَعْضُ قادَةِ الصلِيبِيِّينَ للأمِيرِ المِصْرِيِّ: وحَقِّ دِينِهِ لَقَدْ صَدَقَكَ هَذا الشيخُ فِيما قال!.
وكَما وأفْتَى علَماءُ المالكِيَّةِ فِي القَرْنِ الخامِس الهِجْرِيِّ يُوسُفَ بنَ تاشْفِينَ أميرَ المُؤمِنينَ فِي بلادِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ بِقِتالِ صاحِبِ (سَبْتَةَ) وجَيْشِهِ لأنَّهُ امْتَنَعَ عن فَتْحِ الطرِيقِ أمامَ الجَيْشِ المُجاهِدِ الذِي أرادَ العُبورَ لِقِتالِ نًصارَى الأنْدلَس، فباللهِ عَلَيكَ إن كانَتْ هذهِ فَتْواهُمْ فِيمنْ يَسُدُّ الطرِيقَ فِي وُجُوهِ المُجاهِدِينَ؛ فماذا يَقُولُونَ فِيمَنْ يُعِينُ النصارَى علَى قِتالِ المُسْلمينَ؛ وهُمْ لَهُم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ؛ ثمَّ هُم يَقْتُلُونَ المُجاهِدِينَ وحَرِيمَهُم؛ ويُسْلِمُونَهُم إلَى أعْدائِهِم؛ ويُلاحِقُونَ المُجاهِدِينَ فِي كُلِّ مكانٍ وحَينٍ؛ فِي الوقْتِ الذِي يَفْتَحُونَ البلادَ وخَيْراتِها علَى مًصارِيعِها للكَفَرَةِ الذِينَ يَزْعُمُونَ أنهُمْ قَتَلُوا رَبَّهُمْ وصلَبُوا مَعْبودَهُم علَى خَشَبَةٍ فَيَرْتَعُونَ فِيها ويَصولُونَ ويَجُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَشاءُونَ!.
وأفْتَى علماءُ المالكيَّةِ أيْضًا فِي القَرْنِ التاسعِ الهِجْرِيِّ أمراءَ المُجاهِدِينَ بِجَوازِ قِتالِ مَن يُعْرَفُ عَنْهُمْ إعانَةُ النصارَى فِي مُحارَبَةِ المُجاهِدينَ مِن القَبائلِ وأعْرابِ البَوادِي فِي المغْرِبِ الأقْصَى.
ومِن فَتاواهُم فِي الباب: أنَّ من تَعصبَ بالعَدُوِّ الكافِرِ قُوتِلَ قِتالَه، وأنَّ مالَهُ فِيءٌ للمُسْلمينَ، وأنهُ لا يَجُوزُ بَيعُ القوتِ والسلاحِ للحَرْبِيِّينَ؛ ولا ما يُعَظِّمونَ بِه كُفْرَهَم، ويَحْرُمُ بَيعُ الخُيُولِ والجُلُودِ لَهُم، وأنهُ لو تَواطَأ أهْلُ قُطْرٍ علَى ذلكَ فَقَدْ نَبَذُوا الإسلامَ ورَاءَ ظُهُورِهم، وأفْتَوْا بِقَتْلِ مَن يَبِيعُ المُسلمَ للنصارَى إنْ كانَ شَرُّهُ لا يَنْدَفِعُ إلا بِذلك، وأَفْتَوا بِحُرْمَةِ تَسلِيمِ الثغُورِ إلَى النصارَى، وأفْتَوْا بإباحَةِ دَمِ ومالِ مَن رَضِيَ بالإقامَةِ تَحْتَ إيالَةِ الكافِرِ طائعًا مُخْتارًا؛ ومنهم مَن أفْتَى