بِكُلِّ آلَةٍ وَوَسِيلَةٍ؛ وكَأنَّما الأَصْلُ فِي دِماءِ هَؤلاءِ المُجاهِدِينَ الإباحَةُ!، أَلاَ تَبَّتْ أَيادِي أولئكَ الأباعِدِ؛ ومُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ؛ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
والناسُ قَدْ أفاضُوا فِي ذلكَ وأكْثَرُوا؛ وأجْلَبُوا لِما زَعَمُوا جَوازَهُ بِكُلِّ ما وَسِعَهُمْ، حَتَّى صارَ هَذا الحُكْمُ الذِي هُوَ مِنْ واضِحاتِ الأحْكامِ فِي كِتابِ اللهِ تعالَى؛ ويَرْجِعُ إلَى أُصُولِ الدِّينِ وقَواعِدِهِ؛ وَرُبَّما أَتَى عَلَيْها بالنَّقْضِ والبُطْلانِ؛ مِنْ أكْثَرِ الأحْكامِ غُمُوضًا والْتِباسًا عِنْدَ العامَّةِ من المُسلمِينَ!، ولا تَكادُ تَذْكُرُ شَيئًا مِن ذلكَ بَيْنَهُمْ حَتَّى تَنْفِرَ مِنْهُ أسْماعُهُمْ؛ وتُنْكِرَهُ قُلُوبُهُمْ!؛ لأجْلِ ما رَاجَ وانْتَشَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ رَمْيِ مَن يَقُولُ بِشَيءٍ مِن ذلكَ بالخارِجِيَّةِ والتَكْفِيرِ، مَعَ أنَّ الترامِيَ بِهَذهِ الألْقابِ لا يَنْصُرُ حَقًّا ولا يَهْدِمُ باطِلًا، ولَيْسَ كُلُّ تَكْفِيرٍ باطِلًا، بَلْ ما كانَ مُوافِقًا للشّرْعِ؛ جاريًا وفْقَ قَواعِدِهِ؛ فَهُوَ مِن الشرْعِ؛ وإنْ سمّاهُ الناسُ ما شاءُوا، نَعَمْ ويُشْتَرَطُ فَيْمَنْ اضْطَلَعَ بِهِ أنْ يكُونَ أهْلًا للفَتْوى فِيهِ؛ مِن المشْهُودِ لَهُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بذلكَ، ثُمُّ قَدْ يُصِيبُ فِيهِ وقَدْ يُخْطِئُ؛ وهُو مَأجُورٌ مَعَ اخْلاصِ النيَّةِ فِي الحالَيْنِ.
لكِنَّ العَجَبَ مِمَّنْ يَسْتَخِفُّ عُقُولَ الناسِ فَيَأتِي بأدِلَّةِ الوَحْيَيْنِ فِي غَيرِ مَحَلِّها؛ ويَحْمِلُها علَى غَيرِ المُرادِ مِنْها، ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّ مَن يُقاتِلُ دُونَ الصلِيبِيّينَ؛ ويُعِينُهُم علَى قَتْلِ المُسلمينَ؛ ويُبِيحُ لَهُمْ طُولَ بِلادِ الإسلامِ وعَرْضَها؛ وقَدْ نَبَذَ شرِيعَةَ الإسلامِ وراءَهُ ظِهْرِيّا؛ وهُوَ يُجاهِرُ لَيلًا نَهارًَا بأنَّهُ طَوعُ بَنانِهم؛ ويَفْخَرُ علَى رُؤوسِ الأشْهادِ بِقَتْلِهِ للمُجاهِدِينَ المُهاجِرِينَ لِنَصْرَةِ الإسلامِ وإغاثِةِ أهْلِهِ، يَزْعُمْ هذا القائلُ أنَّ مَن يَصْنَعُ ذلكَ إمامٌ للمُسلِمينَ؛ وهُو أعْلَمُ بِمَصالِحِهم!؛ وأنَّ الجُيُوشَ الصلِيبِيَّةَ إنّما دَخَلَتِ البِلادَ بِعِلْمِهِ وتَحْتَ سُلْطانِهِ!؛ وأنّهُمْ فِي عَهْدِهِ وذِمَّتِهِ!!، وأنَّ مَنْ آذى أحَدًا مِنْهُم فَهُو مُفْتَئتٌ علَيْهِ، خارجٌ عن جَماعَةِ المسلمين!، ثُمّ إنهُ يَزْعُم مِن وَراءِ ذلكَ أنّهُ سلَفِيٌّ!؛ وَأَنَّ ما يَدَّعِيهِ هُو قَولُ السلَف!!.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: قَدْ يَقُولُ فِي هذهِ الدُّنْيا مَن شاءَ ما شاءَ، لكنْ لَيسَ هذا نِهايَةَ الأمْرِ، ومَن كانَ مِن هَؤلاءِ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِن نَصَفَةٍ ودِينٍ؛ فَبَيْنَنا وبَيْنَهُ قَولُهُ تعالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللهِ} ؛ وإِلاَّ فَلَسْنا نُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ دِينِ اللهِ يَعْبَثُ بِهِ كَما يَشاءُ، وقَدْ أخَذَ اللهُ تَعالَى علَى أهْلِ العِلْمِ العَهْدَ والمِيثاقَ لَيُبَيِّنُنَّهُ للناسِ ولا يَكْتُمُونَهُ، وليَعْلَمْ هُو وَمَن اخْتارَ عُدْوَتَهُ - إنْ أبَوا إلا مَراكِبَ العِنادِ - أَنَّهُمْ أغْراضٌ لِسِهامِ الشرِيعَةِ القَوِيمَةِ؛ يُسْتَباحُ مِنْهُمْ علَى قَدْرِ ما اسْتَباحُوا مِن حِماها، ولَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ.
قالَ أبُو الوَلِيد: هذِهِ النوازِلُ تَضِيقُ عَن حِكايَةِ أقْوالِ القَوْمِ والجَوابِ عَنْها؛ وإِنَّما أرَدْتُ هُنا إسْعافَ السائِلِ بِمَطْلُوبِهِ؛ وأنْ أسُوقَ إلَيْهِ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ ما يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرَهُ وصُدُورُ المجاهِدِينَ عامّةً إنْ شاءَ اللهُ؛ وما يَقَعُ لَهُم بِهِ اليَقِينُ بِبُطْلانِ كُلِّ قَوْلٍ يُخالِفُ ما ذَكَرْتُهُ هُنا؛ فَأقُولُ: إننا ندينُ للهِ تَعالَى بأَنَّ كُلَّ مَنْ مَازَجَ العَدُوَّ الصائِلَ المُعْتَدِيَ علَى أَيِّ بَلْدَةٍ مِنْ بِلادِ المُسلِمينَ؛ معاضِدا له؛ ومُناصِرًا؛ وأَعانَهُ فِي حَرْبِهِ بِشَيءٍ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ؛ مِن نَحْوِ قِتالٍ؛ أو إيواءٍ؛ أو سِلاحٍ؛ أوْ رَايٍ؛ أو مَشُورَةٍ؛ أوْ دَلالَةٍ علَى عَوراتِ المُجاهِدينَ؛ أوْ مِيرَةٍ؛ أو طَعامٍ؛ فحكمُه حُكْمُه؛ يُقاتَل ويُقتل؛ وإنْ صلَّى وصَامَ وزَعَمَ أنَّهُ مِن المُسْلِمينَ؛ كائنًا من كان وحيثما كان، إِلاَّ أنْ يَتْرُكَ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ مِن أُمَراءِ المُجاهِدِينَ وعُلَمائِهم واهْلِ الدِّيانَةِ من عُلَماءِ المُسْلمينَ شَيئًا مِنْ ذَلكَ لِمَصْلَحَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشرْعِ، وأنا أدعو مَن خَالَفَ فِي ذلكَ وادَّعَى جَوازَ ما ذُكِرَ فِي السؤالِ إِلَى كِتابِ اللهِ تعالَى وُسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم وإِجْمَاعِ مَنْ