بِسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحيم
حُكْمُ مَن أَعانَ كافِرًا فِي قِتالِ المُسْلِمينَ.
تَنْبِيه: (لاَ مانِعَ مِن نَقْلِ الفَتْوى شريطَةَ عدَمِ التصرُّفِ بها)
رَقَمُ الفَتْوى: 56/ 12/1311
وسُئِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ يُشارِكُ الغُزاةَ مِن الصلِيبِيِّينَ فِي قِتالِ المُجاهِدِينَ؛ أَويُعِينُهُمْ عَلَى ذلكَ بِحَمْلِ الطعامِ والسلاحِ إلَيْهم، أو يَدُلُّهُمْ علَى عَوراتِ المُسلِمينَ وثُغُورِهمْ؛ هَلْ يَجُوزُ للمُسلمينَ قِتالُ أمْثالِ هَؤلاءِ؟، فَقَدْ سَمِعْنا مِن العُلَماءِ مَن أفْتَى بِحُرْمَةِ قِتالِهِمْ ما دامُوا مُسْلِمينَ؛ ومَنْهُمْ مَن أفْتَى بِجَوازِ التِحاقِ المُسْلِمِ بِهَذِهِ الجُيوشِ وعَملِهِ فِيها إنْ كانَ عَمَلُهُ فِي غَيرِ القِتالِ، وَقَدْ أشكلَ عَلَينا ذلكَ؛ خاصَّةً مَعَ فَتاوَى المذكُورِينَ مِن العُلَماء، فَنَرْجُوا إيضاحَ الأمْرِ؛ وبَيانَ الحَقِّ فِي هذهِ المسألَةِ، وجَزاكُمُ اللهُ خَيرًا.
فَأجاب:
الحَمْدُ لله؛ وأسْتَغْفِرُ اللهَ؛ أما بَعْد:
فالذِي اتَّفَقَ علَيْهِ أَئمَّةُ المُسلمِينَ من السلَفِ وتابِعِيهِم بإحْسانٍ إلَى يَومِنا هَذا هُوَ: أنَّ كُلَّ مَن تَولَّى العَدُوَّ الكافِرَ بالمُعاضَدَةِ والمُمازَجَةِ؛ وتَعَصَّبَ بِهِ؛ وقاتَلَ دُونَهُ؛ أوْ أمَدَّهُ بالكُراعِ والسلاحِ؛ أو حَمَلَ إلَيهِ المِيرَةَ والطعامَ؛ أَوْ أَيَّ شَيءٍ مِمّا يَتَقَوَّى بِهِ فِي حَرْبِهِ لأَهْلِ الإسْلامِ؛ أوْ أرْشَدَهُ إلَى عَوراتِ المُسْلمينَ؛ فإنَّهُ مُرْتَكِبٌ لِعَمَلٍ مِن أكَبَرِ الكبائرِ؛ وإنَّ حَكْمَهُ حُكْمُهُ فِي جَوازِ مُقاتَلَتِهِ وقَتْلِهِ، ومَن كانَ هذا حالُهُ وقَتَلَهُ المُسلِمُونَ فَلا يُصَلَّى عَلَيهِ؛ ولا يُدْفَنُ فِي مَقابِرِهِم؛ ولا كَرامَةَ، ولا رَحِمَ اللهُ فِيهِ مَوضِعَ شَعْرَةٍ، ولا دِيَةَ علَى مَن قَتَلَهُ ولا كَفارَة.
ويَجُوزُ للمُجاهِدِينَ قَصْدُ العَدُوِّ وَمَنْ يَتَولَّوْنَهُ ويُعِينُونَهُ عَلَى قِتالِ المُسلمينَ حَيثُما كانَ وأيْنَما حَلَّ، وَسَواءٌ كانَ مَنْ يُعِينُهُ مُخالِطًا للَعَدُوِّ مُمازِجًا لَهُ أو مُنْفَرِدًا عَنْهُ؛ وسُواءٌ كانَ فِي الدارِ التِي حَلَّها العَدُوُّ مِن دِيارِ الإسْلامِ واغْتَصَبَها؛ أو فِي دِيارٍ أُخْرَى يَتَوَلاهُ أَهْلُها أو بَعْضُ أَهْلِها، لا فَرْقَ فِي ذَلكَ بَيْنَ مُكْرَهٍ وغَيْرِهِ؛ ما دامَ مُتَّصِفًا بِما ذكَرْناهُ، حَتَّى وإنْ زَعَمَ مَن زَعَمَ أنَّ العَدُوَّ إنّما دَخَلَ تلكَ الدِّيارَ بِعَهْدِ أَهْلِها وذِمَّتِهِم، فَإنَّ قائلَ ذلكَ قَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ علَى الشْرعِ؛ ونَسَبَ إِلَيْهِ مالَيْسَ مِنه، فإنَّ الذّمِّيَّ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَدْخُلَ دِيارَ المُسلمِينَ بالسلاحِ، فَكَيفَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَدْخُلَها مُحارِبًا لأَهْلِ الإسْلامِ فِي كامِلِ عَدَدِهِ وعُدَّتِهِ؛ وأنْ يَتَّخِذَ مِنْها قَاعِدَةً وَمَقَرًّا لِقِتالِ أَهْلِ الإسْلامِ وجُنْدِهِ؛ وانْتِزاعِ بِلادِهم مِنْهم؛ وسَفْكِ دِماءِهِمْ؛ والعُدْوانِ علَى حَرِيمِهِمْ وأَعْراضِهِم.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: قَدْ تضافَرَتِ الأدِلَّةُ مِن الوَحْيَيْنِ الشرِيفَيْنِ؛ ومِن فَتاوِي الأئِمَّةِ فِي النوازِلِ عَلَى اخْتِلافِ عُصورِ الإسلامِ علَى صِحَّةِ ما ذكَرْناهُ؛ ولا أَعْلَمُ أحَدًا مِن أئِمَّةِ الإسلامِ يُنازِعُ فِيما ذكَرْتُهُ، حَتَّى ابْتُلِينا فِي زَمانِنا هذا بِهَذهِ الأقاوِيلِ ونَحْوِها؛ مِما لا يَتّسِعُ المَقامُ لِسَرْدِهِ والجَوابِ عَنْهُ تَفْصِيلًا؛ والعَجَبُ أنَّ القَوْمَ - ولَو شِئْتُ سَمَّيْتُ مِنْهم بإذنِ اللهِ جَماعاتٍ وأفْرادًا - مِن أشَدِّ الناسِ ورَعًا إذا كانَ الأمْرُ يَتَعلَّقُ بِدِماءِ الصلِيبِيِّينَ؛ وإخْوانِهمْ وأنْصارِهِم مِن الحُكامِ والمَحْكومِينَ مِمّنْ يَنْتَسِبُ إلَى المُسْلِمينَ؛ وهُمْ مِن أشَدِّ الناسِ حَرْبًا علَى الإسلامِ وأهْلِهِ!؛ فإذا دارَ الأَمْرُ عَلَى دِماءِ المُجاهِدِينَ الباذِلِينَ نُفُوسَهُم للذَبِّ عن حَوزَةِ الإسلامِ والمُسْلمينَ؛ رَأيْتَهُمْ مِن أجْرَأِ الناسِ عَلَيْها!!؛ يَتَحَيَّلُونَ لإرَاقَتِها