هُو مَنْهِيٌّ عَن التفْرِيطِ فِي إِراضَةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا فِيهاَ مِنْ جِبِلَّةِ الخَيْرِ، وإرْخاءِ العَنانِ لهَا إلَى ارْتِكابِ ما دَلَّ الشرعُ علَى المَنْعِ مِنه، ولذا عُوقِبَ علَى تَفْرِيطِهِ بالمُبادَرَةِ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فكانَتِ المُبادَرَةُ التِي نُهِيَ عَنْها هِي عِلَّةَ تَحْرِيمِ الجَنّةِ علَيهِ.
أما ما ذكَرَهُ العُلماءُ من الانغِماسِ فِي صُفوفِ العَدُوِّ وإنْ غَلَبَ علَى ظَنِّهِ أنْ يُقتلَ فالأصْلُ فِيهِ الجَوازُ بَشَرْطِهِ؛ وهُوَ حَصولُ النكايَةِ بالعَدُوِّ؛ أو إرْهابِهِ؛ أو غَيرِ ذلكَ من المَصالِحِ المعتَبَرةِ.
ثُمَّ إنَّ الصورَةَ الحادِثَةَ مِن هذهِ العَمَلِياتِ تُفَوِّتُ أصْلًا مُعْتَبَرًا فِي الحَرْبِ؛ وهُوَ قَولُهُ صلّى اللهُ علَيهِ وسلم: الحَربُ خُدْعَةٌ، كما يُعْرَفُ بالتأمُّلِ والنظَرِ، فإنّ من اعْتادَ شَيئًا واحِدًا لا يَتَجاوَزُهُ وقَفَ فِكْرُهُ عِنْدَهُ، والمُخادَعَةُ فِي الحَرْبِ انْتِفاعٌ بِثِمارِ العُقولِ؛ وتَرْوِيضٌ لَها علَى التحَيُّلِ فِي التوصُّلِ إلَى العَدُوِّ بكُلِّ طَرِيقٍ، معَ ما فِي سُلوكِ سَبِيلِ المُخادَعَةِ مِن تَوفِيرِ دِماءِ المُسلِمينَ ما أمْكَنَ، فإنَّ إراقَةَ دَمِ المُسْلِمِ فِي الجِهادِ لَيسَتْ مِن مقاصِدِ الشرْعِ الكَرِيمِ، خاصَّةً إنْ أمْكَنَ تَحْصِيلُ المَصْلَحَةٍ مِن وَجْهٍ تُحْفَظُ مَعَهُ الدماءُ، والشهادَةُ إنّما تُطْلَبُ بِرعايَةِ أوامِرِ الشرْعِ ومَقاصِدِهِ؛ لا مَعَ تَجاوزِهِما، فافْهَمْ، وباللهِ وحْدَهُ التوفِيق.
فإنْ دَعَتْ إلَى الصورَةِ الحادِثَةِ ضَرُورَةٌ مُلْجِئَةٌ؛ أو تَعَيّنَتْ طَرِيقًا إلَى التغَلُّبِ علَى العَدُوِّ، فَفِيهِ بَحْثٌ، نذكُرُهُ فِي غَيرِ هذا المقامِ، واللهُ أعْلَم، وصلّى اللهُ علَى مُحمدٍ وعلَى آلِهِ وصحْبِهِ وسلم.
كانَ اللهُ له
خادمُ العِلمِ وأَهْلِهِ
أبو الوليد الغزيُّ الأنصاريّ