بسم الله الرحمن الرحيم.
حكْمُ العَمَلِياتِ الاستِشْهادِيَّةِ.
رَقَمُ الفَتْوى: 100/ 22/ 7621
وكَتَبَ إلَيْهِ سائلٌ يَقُولُ: هَلْ يصحُّ القولُ بَتَجْويزِ العَمَلِياتِ الاستِشْهادِيَّةِ المعْرُوفَةِ قِياسًا علَى تَجْوِيزِ الانْغماسِ فِي صُفُوفِ العَدوِّ، أم لا؟.
فأجابَ:
الحمدُ للهِ؛ وبعد:
فَهَذهِ المسألَةُ طوِيلَةُ الذيولِ؛ وتحتاجُ إلَى بَسطٍ كَثِيرٍ وأخْذٍ ورَدٍّ لا يَتّسعُ لَهُ المقامُ، لكنّنِي سأذكُرَ هُنا قَولا مُختَصرًا فِيها؛ وأرْجِئُ التفْصِيلَ إلَى مَوضِعِ آخَر إن شاءَ الله.
فأقولُ؛ وباللهِ وحدَهُ التوفِيق:
ما ذهَبَ إلَيهِ القائلُ مِن القوْلِ بِقِياسِ الصورَةِ الحادِثَةِ من هَذهِ العَمَلِياتِ علَى ما اتفَقَ علَيهِ العُلماءُ مِن صُورِ الانغْماسِ فِي صُفوفِ العَدُوِّ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، وعِنْدِي أنّهُ فارِقٌ مَعْتَبَرٌ لَهُ أثَرٌ فِي التفْرِيقِ بَينَ الحُكْمَينِ، فَفِي صُورَةِ الانغِماسِ المُتَّفَقِ علَيهِ إنّما يَقَعُ قَتْلُهُ إن قُتِلَ بِيَدِ العَدُوِّ لا بَيَدَهِ؛ وقَدْ يَكُونَ ذلكَ وقَدْ لا يَكُونُ، وكُلُّ مَن عَرَفَ فَنَّ الحَرْبِ والقِتالِ عَلِمَ أنَّ للشجاعَةِ والمُفاجَأةِ فِي هَذا المَقامِ أثَرًا كَبِيرًا فِي حِمايَةِ المُنْغَمِسِ ونَجاتِهِ بِعَونِ اللهِ تعالَى؛ كما وقَعَ للبَراءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وغَيرِهِ من أبْطالِ المُسلِمينَ، ولَيْسَ الأمْرُ كذلكَ فِي صُورَةِ العَمَلِيّاتِ الحادِثَةِ؛ وهِي التِي يُباشِرُ الرجُلُ فِيها قَتْلَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، ولذا جَرَتْ عادَةُ أمراءِ المُسلِمينَ باخْتِيارِ الشجعانِ وأجْلادِ الرجالِ مِن المُجاهِدِينَ فِي الانغِماسِ، ولَيسَ الحالُ كَذلكَ فِي الصورَةِ الحادِثَةِ.
ثُمَّ إنّ قَوْلَهُ تعالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ؛ وغَيرَها مِن الآياتِ فِي مَعْناها؛ وقَولَهُ صلّى اللهُ علَيهِ وسلّمَ: إِنَّ رَجُلًا مِمّنْ كانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بهِ قُرْحَةٌ؛ فلمّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ فَنكأَها؛ فَلَمْ يَرْقأِ الدمُ حتّى ماتَ؛ فقالَ الله: عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ حَرّمْتُ عَلَيهِ الجَنّةَ، فَفِي الآيَةِ نَهْيٌّ عن مُباشَرَةِ الإنْسانِ قَتْلَ نَفْسِهِ علَى كُلِّ حالٍ، لأنَّ الآجالَ كما ذكَرَ الحافِظُ فِي الفَتْحِ رَحِمَهُ اللهِ فِي شَرْحِ الحَدِيثِ المذكُورِ بِيَدِ اللهِ تعالَى؛ ولا يَعْلَمُ مَتى تنْقَضِي إلاّ هُو سُبْحانَهُ، وفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ علَى أنَّ الأصْلَ فِي الصورَةِ الحادِثَةِ من هَذهِ العَمَلِياتِ هِيَ المَنْعُ، لِقَوْلِهِ تعالَى فِيهِ: بادَرَنِي عَبْدِي إلَى نَفْسِهِ؛ والمُبادَرَةُ إلَى النفْسِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الصورَةِ الحادَثَةِ، بِخِلافِ الانْغِماسِ فإنَّهُ إنْ قُتِلَ قُتِلَ بَيَدِ عَدُوِّهِ.
وقَولُ بَعْضِهِم: إنَّ عِلّةَ تَحْرِيمِ الجَنَّةِ علَيهِ فِي هذا الحَدِيثِ هِي الجَزَعُ؛ لِقَولِهِ فِي الروايَةِ الأخْرَى؛ وهِيَ فِي الصحِيحِ أيضًا: فَجَزِعَ؛ فَأَخذَ سِكِّينًا، فَحَزّ بِها يَدَهُ فَما رَقأَ الدمُ ... الحديثَ، غَيرُ صَحِيحٍ، لأنَّهُ خِلافُ ما نَصَّ عَلِيهِ الحَدِيثُ أولًا؛ ولأنَّهُ عِلَّةُ العِلّةِ ولَيسَ العِلَّةَ ثانِيًا، ولأنَّ الجَزَعَ والهَلَعَ مِن الطّبائِعِ التِي جُبِلَ عَلَيْها الإنْسانُ، كما قالَ تعالَى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا} ؛ والمرادُ بالإنسانِ جِنْسُ الإنسانِ؛ لا إنسانًا بِعَيْنِهِ، وهذهِ الطبائعُ مِن المدَارِكِ البشرِيَّةِ التِي رُكِزَتْ بِحِكْمَةِ دَقِيقَةٍ فِي النفْسِ البَشَرِيةِ لِتَجْعَلَهَا قَادِرَةً علَى الفِعْلِ والكَفّ، وَساعِيةً إِلَى المُلائِمِ ومُعْرِضَةً عَنِ الْمُنافِر؛ وما كانَ هَكذا فَلا يُنْهَى المَرْءُ عنْهُ؛ فكَيفَ يُقالُ فِي مِثْلِهِ إنهُ عِلّةُ تحْرِيمِ الجّنَّةِ علَى الفاعِلِ؟!؛ بلْ