الصفحة 9 من 207

ثُمَّ ذَكَرَ الشِّهابُ أَنَّ أَنْواعَ الرُّؤْيا أَرْبَعَةٌ؛ وهُوَ تَقْسيمٌ صَحيحٌ، لكِنْ فِي بَعْضِ ما ذكَرَهُ من الأمْثِلَةِ نَظَرٌ، نَذْكُرُها اخْتِصارا ونَضيفُ إلَيْها ما تَيَسَّرَ مِن الفَوائدِ إن شاءَ اللهُ تعالَى:

أَحَدُهَا: الْمَحْمُودَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. كَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يُكَلِّمُ البارِيَ عَزَّ وَجَلَّ، أَو رَأى الْمَلائِكَةَ، أَوْ الأَنْبِياءَ علَيْهمُ السلامُ، أَوْ رَأَى أَمَاكِنَ العِبادَةِ مُطِيعًا لِرَبِّهِ تَعالَى، أو دخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، ونَحْوُ ذَلكَ.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَحْمُودَةٌ ظَاهِرًا، مَذْمُومَةٌ بَاطنًا؛ كَسَمَاعِ الٍمَلاَهِي، أَوْ شَمِّ الأَزْهَارِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ هُمُومٌ وَأَنْكَادٌ، أَوْ كَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يَتَوَلَّى مَنْصِبًا عَالِيًا لاَ يَلِيقُ بِه فَهُوَ رَدِيءٌ.

قالَ أَبو الوَليدِ كان اللهُ لَهُ: كذا قال؛ وذكَرَ بَعْدَ هَذا أنَّ سَماعَ المَلاهِي مُذهِبٌ للْهُمُوم!، وهذا مَبْنِيٌّ علَى قَوْلِ مَن قالَ بِحِلِّها كابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ ومَنْ وافَقه، والصوابُ أَنَّها مُحَرَّمَةٌ لِنَهْيِ الشارِعِ عَنْها، فَلا يَصِحُّ عَلى هَذا التَّمْثيلُ بِها للمَحْمُودِ ظاهِرًا؛ بلْ هِي مِن المَذمُومِ ظاهِرًا وباطِنًا كالنَّوعِ الثالِثِ الذي يَلِيهِ؛ ولِذا تُؤَوَّلُ فِي الرُّؤْيا بالمَصائِبِ والبلايًا وسَماعِ ما يُحْزِنُ مِن الأَخْبارِ ونَحْوِ هذا، إلاَّ أنْ يَكُونَ الرائِي مِمَّنْ يَذهَبُ إلَى جَوازِها! فَتَاوِيلُها بِحَسْبِ ذلكَ إنْ كانَ غالِبُ حالِهِ الصلاحُ والديانَة.

وأَما الأَزْهارُ فَتُعْتَبَرُ أَنْواعُها وأَلْوانُها ومَواسِمُها فِي العام؛ وأَماكِنُ وُجُودِها؛ وحالُ الرائِي؛ وهَلْ هِي مِنَ المَحْبُوبِ لَهُ أو لا، وما ذَكَرَ مِن أَنَّها تُطْلَبُ لأَصْحابِ الأَمْراضِ غالِبًا لا يُسَلَّمُ؛ خاصَّةً وغالِبُ ظَنَّى أَنَّ طَلَبَها لِذلكَ عادَةٌ إفْرَنْجِيَّةٌ دَخِيلَةٌ!؛ كَما هُوَ الحالُ فِي إِهْدائِها إلَى القُبُورِ، فَتَنَبَّه.

النَّوْعُ الثّالِثُ: الْمَذْمُومَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ كَمَنْ يَرَى حَيَّةً لَدَغَتْهُ، أَوْ نَارًا أَحْرَقَتْهُ، أَوْ سَيْلًا غَرَّقَهُ، فِإنَّ ذَلكَ رَدِئٌ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِدَلالَتِهِ علَى الهمِّ وَالنَّكَدِ. انْتَهى.

وهَذا أيضًا لَيسَ علَى إطْلاقِهِ، بَل يَخْتَلِفُ باخْتلافِ أحوالِ الرائينَ، والحَيَّةُ باخْتِلافِ لَوْنِها، والنارُ إنْ كانَتْ فِي الصيفِ أو فِي الشتاء، وماءُ السََّيْلِ بِحَسْبِ صَفائِهِ وعُكُورَتِهِ، وقُوَّتِهِ وضَعْفِهِ، وهُدُوئِهِ وهِياجِه، واللهُ أَعْلَم.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمَذْمُومَةُ ظَاهِرًا، المحْمُودَةُ بَاطِنًا، كَمَنْ يَرَى أَنَّهُ يَنْكِحُ أُمَّهُ، أَوْ يَذْبَحُ وَلَدَه.

وهَهُنا قِصَّةٌ طَريفَةٌ وَرَدَتْ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّد بنِ شِهابٍ الزُّهْرِي القُرَشِيِّ التابِعِيِّ نُورِدُها لِتَعَلُّقِها بِأقْسامِ الرُّؤيا، ولِما فِي المُلَحِ والنَّوادِرِ مِن التَّرْوِيحِ عن القارِئِ وشَحْذِ هِمَّتِهِ في الطلَب، وكانَ الزُّهْرِيُّ فِي أَولِ شَانِهِ قَدْ دخَلَ علَى الخَلِيفَةِ عَبدِ المَلكِ فَأَعْجَبَتْهُ فِطْنَتُهُ وذكاؤُهُ وأمَرَهُ بطلَبِ العِلْم، قال: فَرَجَعْتُ إِلَى المَدِينَةِ أَطْلُبُ العلْمَ وَأَتَتَبَّعُهُ، فَبَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةً بِقُبَاءَ رَأَتْ رُؤْيا عَجِيبَةً؛ فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلكَ، فَقَالَتْ: إِنَّ بَعْلِي غَاَبَ وَتَرَكَ لَنَا خَادِماَ وَدَاجِنًا ونُخَيْلاتٍ، نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا، وَنَاكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا، فَبَيْنَمَا أَنَا بينَ النائِمَةِ واليَقْظَى؛ رَأَيْتُ كأنَّ ابْنِي الكَبِيرَ - وَكَانَ مُشْتَدًّا - قَدْ أَقْبَلَ؛ فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ وَلَدَ الدَّاجِنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يُضَيِّقُ عَلَيْنَا اللبَنَ، ثُمَّ نَصَبَ القِدْرَ وَقَطَّعَهَا وَوَضَعَهَا فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ بِهَا أَخَاهُ، وَأَخُوهٌ صَغِيرٌ كَمَا قَدْ جَاءَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مَذْعُورَةً؛ فَدَخَلَ وَلَدِي الكبيرُ؛ فَقَالَ: أيْنَ اللبَنُ؟؛ فَقُلْتُ: يَا بُنَيَّ شَرِبَهُ وَلَدُ الدَّاجِنِ، فَقَالَ: إِنَّه قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْنَا اللبَنَ!، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَهُ وَقَطَّعَهُ فِي القِدْرِ، فَبَقِيتُ مُشْفِقَةً خَائِفَةً مِمَّا رَأَيتُ، فَأَخَذْتُ وَلِدِي الصَّغِيرَ فَغَيَّبْتُهُ فِي بَعْضِ بُيُوتِ الجِيرَانِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَأَنَا مُشْفِقَةً جِدًّا مِمّا رَأَيْتُ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي؛ فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ: مَالَكِ مُغْتَمَّةٌ؟، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ مَنَامًا فَأَنَا أَحْذَرُ مِنْهُ فَقَالَ: يَا رُؤْيَا! يا رُؤْيَا!، فَأقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؟، قَالَتْ: مَا أَرَدْتُ إِلاّ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْلاَمُ! يَا أَحْلاَمُ!، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ دُونَهَا فِي الحُسْنِ وَالجَمَالِ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ المَرْأَةِ الصّالِحَةِ؟، فَقَالَتْ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت