الَسَابِعُ: أَضْغَاثُ الأَحْلامِ، والأضْغاثُ: الأَخْلاطُ، واحِدُها ضِغْثٌ؛ وَأَصْلُهُ الْحِزْمَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشِيشِ، قالَ الرازِي: بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِما قامَ عَلَى ساقٍ واسْتَطال، وقِيل: هُوَ أَقَلُّ مِنَ الحِزْمَةِ وَأَكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِنْ أَخْلاطِ النَّبَاتِ، يُرِيدُونَ: لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ فلا تَأوِيلَ لَها عِنْدَنا!.
وذكَرَ الشهابُ المَقْدِسِيُّ فِي البدْرِ المُنِير أنَّها قِسْمانِ: صَحيحٌ وفاسدٌ، وأنَّ الصَّحيحَ هُو الذي تَتَرتَّبُ عَلَيْهِ الأحْكامُ؛ وأما الفاسِدُ فَلا حُكْمَ له؛ وهُو خَمْسَة:
حَديثُ النفْس، وقد ذكَرْناه.
وما كانَ مِنْ غلَبَةِ الدَّمِ: فَيَرى الحُمْرَةَ الكَثِيرَةَ؛ والأشْياءَ المُلْتَهِبَةَ ونَحْوها.
أو غَلَبَة الصفراء: فَيَرى صُفْرَةً كَثيرَةً وشُموسًا ونِيرانًا؛ ولا يَعْقِلُ ما يَراه.
أو غلَبَةِ السوداء: فَيرَى دُخانًا وسَوادًا وخَسْفًا ونَحْوَ هذا.
أو غلَبَةِ البَلْغَمِ: فَيَرَى أمْطارًا وغُيُوما ومِياهًا ولا يَعْقِلُ شَيئًا. انتهَى مُخْتَصرًا.
قلْتُ: يَلْتَحِقُ بِهَذا الذي ذَكَرَهُ ما يَرَاهُ مِن الأَخْلاطِ إنْ نامَ مُمْتَلِئَ المَعِدَةِ، أوْ نامَ فِي مَكانٍ أصابَتْهُ فِيهِ بُرُودَةٌ؛ أَوْ خَوفٌ، أو كانَ الرائِي بِهِ مَسٌّ أو سِحْرٌ؛ فَيَرَى ما يُخِيفُهُ، أمَّا إنْ رَأَى المَسْحُورُ أو مَن بِهِ مَسٌّ ما يَدُلُّهُ عَلَى الخَلاصِ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَهِيَ رُؤْيا، وقَدْ اعْتَبَرْتُ هَذا مِرارًا مَعَ الرائِينَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا، وكُلُّ هَذه الأقْسامِ الفاسِدَةِ لا يَعَبَّرُ شَيءٌ مِنها.
لكنْ قالَ الشِّهابُ المَذكُور: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَقْسَامِ الفَاسِدَةِ إِذَا رُؤِيَ مَعَ زِيادَةٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيادَةُ مِنْ جِنْسِ الفَاسِدِ فَلاَ حُكْمَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَاتْرُكِ الفَاسِدَ وَتَكَلَّمْ فِي الزِّيادَةِ.
والتقْسِيمُ الخُماسِيُّ هذا للفاسِدِ مِن الرُّؤيا الذي حكاهُ الشهابُ سَبَقَهُ إلَيهِ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي الفِصَلِ، وذكَرَ أنَّهُ القوْلُ الصحيحُ فِي تَقْسِيمِها، والله أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذكَرَ ابنُ القيمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كتابِ الروحِ أنَواعَ الرُّؤْيا الصّحِيحَةِ؛ فقال:
مِنْهَا: إِلْهَامٌ يُلْقِيهِ اللهُ سَبْحَانُهُ فِي قَلْبِ العَبْدِ، وَهُوَ كَلامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ فِي المَنَامِ، كَمَا قَالَ عُبَادَةُ بنُ الصّامِتِ وَغَيْرُهُ، وذكَرَ في حادي الأرواحِ أنهُ يُروى مَرْفُوعا، وهُو كما قالَ؛ رَواهُ ابنُ أبي عاصِمٍ في السنّةِ وصحّحَهُ الألبانِي.
وَمِنْهَا: مَثَلٌ يَضْرِبُهُ لَهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا المُوَكَّلُ بِها.
وَمِنْهَا: التِقَاءُ رُوحِ النّائِمِ بِأَرْواحِ المَوْتَى مِنْ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَمِنْهَا: عُرُوجُ رُوحِهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَخِطَابُهَا لَه.
وَمِنْهَا: دُخُولُ رُوحِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَمُشَاهَدَتُهَا.
وَغَيْرُ ذَلكَ فَالْتِقَاءُ أَرْوَاحِ الأَحْيَاءِ والمَوْتَى! نَوْعٌ مِنْ أَنْواعِ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةِ التِي هِيَ عِنْدَ الناسِ مِنْ جِنْسِ الْمَحْسُوسَاتِ. انتَهَى. وهَذَا الالْتِقاءُ الذي ذكَرَهُ يَحْتاجُ إلَى بُرْهانٍ لأَنَّهُ مِن الغَيْبِيَّاتِ، واللهُ أعْلَمُ.