ويُؤَيِّدُهُ مَا فِي السيرَةِ لابْنِ هِشامٍ أنّ نُعَيمَ بنَ مَسْعودٍ أتَى رسولَ اللّهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ؛ إِنّي قَدْ أَسْلَمْتُ؛ وَإنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بإسْلامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ، فَقالَ رَسُولُ اللّهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسلّم: إنّمَا أنتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذّلْ عنّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فإنَّ الحَرْبَ خُدْعةٌ.
قالُ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْهُ: فِي خَبَرِ نُعَيْمٍ هَذا تَحْرِيضٌ لأهْلِ الإسلامِ؛ وأنْ لا يَحْقِرَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ، فَإنَّ الواحِدَ من المُسْلمِينَ قَدْ يَصْنَعُ بالعَدُوِّ ما لا يَصْنَعُهُ الجَيْشُ الكَبِيرُ بِهِمْ، فلْيَجْتَهِدِ المُسْلمُ فِي ذلكَ بِما يَقْدِرُ عَلَيهِ؛ فَقَدْ قِيلَ: رُبَّ حِيلَةٍ أنْفَعُ مِن قَبِيلَةٍ!، وإغراءُ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ - كَما صَنَعَ نُعَيْمٌ - هَدْيٌ نَبَّهُ علَيهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ؛ كما قالَ سُبْحانَهُ: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ؛ وقالَ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ؛ وكِلاهُما فِي المائِدَةِ؛ وقَدْ ذكَرَ فِي الأولَى الإغراءَ؛ وفِي الثانِيَةِ الإلْقاءَ، والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ الإلْقاءَ هُو زَرْعُ أسْبابِ العَداوَةِ بَيْنَهُمْ علَى وَجْهٍ يَتَعَسَّرُ الانْفِكاكُ عَنْهُ، والإغْراءُ: تَهْيِيجُ أسْبابِ العَداوَةِ؛ وبَعْثُها وتَجْدِيدُها بَينَ حِينٍ وآخَرَ، وهذا مِن الأسْرارِ الحَرْبِيَّةِ التِي تَضَمَّنَتْها كُنُوزٌ القُرْآنِ الكَرِيمِ وأرْشَدَتْ إلَيْها، ولم يَزلِ اخْتِلافُهُم علَى مَرِّ عُصُورِ التارِيخِ الإسْلامِيِّ مِن لُطْفِ اللهِ تَعالَى بأهْلِ الإسلامِ؛ ولا يَزالُ ذلكَ بَيْنَهُم إلَى يَومِنا هَذا لا يَجِدُونَ مِنهُ خَلاصًا؛ ولا عَنْهُ فِكاكًا، فَإنَّ قَولَهُ: {وَأَغْرَيْنا} مُشْتَقُّ مِن الغِراءِ الذِي يَصِيرُ كَجُزْءِ الشيْءِ لا يُمْكِنُ انْفصالُهُ عَنْهُ!.
هذا ما يَسرُ اللهُ تعالَى فِي الجَوابِ؛ وإنّما هِي عُجالَةُ الطلابِ أولِي الألْبابِ؛ ونَسألَهُ تعالَى للمُجاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ خَزائنَ رَحْمَةِ رَبّكَ العَزِيزِ الوّهابِ. والحَمْدُ للهِ؛ وصلى اللهُ علَى مُحمدٍ وعلَى آلِهِ وصحْبِهِ وسلم.
كانَ اللهُ لَه
خادم العلْمِ وأهْلِهِ
أبو الوَلِيدِ الغَزّيُّ الأنْصارِيُّ