ومِما يُؤَيِّدُ هَذا ما فِي قِصَّةِ قَتْلِ كَعْبِ بن الأشْرَفِ مِن إذنِ النَبِيِّ صلى اللهُ عَلَيهِ وسلمَ لَمُحَمدِ بنِ مَسلَمَةَ أنْ يَقُولَ من الكَلامِ ما يُمْلِيهِ مَقامُ المُخادَعَةِ فِي الحَرْبِ، قالَ الحافِظُ: يَدْخُل فِيهِ الإِذْنُ فِي الْكَذِب تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا. انتهى.
بلْ وَقَعَ فِي بَعْضِ سِياقِ القْصَّةِ أنَّهُم اسْتأذنُوا أن يَشكُوا مِنهُ ويَعِيبُوا رَأيهُ، وفِي بَعْضِها أنَّ كَعْبًا سألَهُم: مَا الَّذِي تُرِيدُونَ فِي أَمْره؟ قَالَ: خِذْلانَهُ وَالتَّخَلِّيَ عَنْهُ!؛ قَالَ: سَرَرْتنِي. انتهى.
ويُؤَيِّدُهُ أَيْضًا ما فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّة الْحَجَّاج اِبْن عِلاَطٍ فِي اِسْتِئْذَانه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اِسْتِخْلاَصِ مَالِهِ مِنْ أَهْل مَكَّة؛ وَمَاَ أَذِنَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَإِخْبَاره لأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ أَهْل خَيْبَر هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ! وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ.
ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا: عُمُومُ قَولِهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ: الحَربُ خُدْعَةٌ، وهِي جائزَةٌ للواحِدِ من المُجاهِدِينَ؛ كما تَجُوزُ للجَماعَةِ مِنهُم، وقَدْ ذكَرَ ابنُ قُدامَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي المُغْنِي أنَّ المُخادَعَةَ جائزَةٌ للمُبارِزِ وغَيرِهِ؛ وذكَرَ فِعْلَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعَ عَمْروِ بنِ وُدٍّ، فَهَكَذا هُنا فِي دُخُولِ المُسلمِ دارَ الحَرب.
وَفِي طَرْحِ التثْرِيبِ عن ابنِ جَرِيرِ؛ وَفِي رَدِّ المُحْتارِ عَن الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعَارِيضِ، لأَنَّ عَيْنَ الْكَذِبِ حَرَامٌ. انتهى. قال ابنُ العَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْب مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِز بِالنَّصّ؛ ِ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ، وَقالَ النوَوِيُّ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب, وَكَيْف أَمْكَنَ الْخِدَاع إلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَانٍ فَلاَ يَحِلّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنه: إنْ أمْكَن الاكِتفاءُ بالمَعارِيضِ؛ فَنَعَمْ، وإن لَم تُمْكِنِ المُخادَعَةُ إلا بالكَذِبِ الصِريحِ جازَ ذلكَ؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ، ولأنَّ المعارِيضَ جائزٌةٌ فِي غَيرِ الحَرْبِ إن احْتِيجَ إلَيْها، فَدَلَّ علَى أنَّ الحَرْبَ قَدْ خُصَّتْ بأمْرٍ زائدٍ، ونَصَرَهُ النَووِيُّ كما فِي طَرْحِ التثْرِيب، وقَدْ مَضَى ما يُؤيدُهُ من كَلامِ الحافِظِ، واللهُ أعْلم.
وفِي كَشافِ القِناعِ وغَيرِهِ أنَّ علَى قاِئدِ الجَيشِ أنْ يُخْفِيَ مِن أمْرِهِ ما يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ؛ وإنْ أرادَ غَزْوةً وَرَّى بِغَيرِها؛ استِدْلالًا بِفِعْلِهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلّمَ كما فِي الصحِيحَينِ عَن جابِرٍ رَضِي اللهُ عَنه؛ وبِحَدِيثِ: الحَربُ خُدْعَةٌ، فَإذا جازَ هَذا لقائدِ الجَيشِ مَعَ ما هُو فِيهِ من القُوَّةِ والمَنَعَةِ؛ فَجَوازَهُ للمُسْلمِ الواحِدِ فِي دارِ الحَرْبِ؛ أو النَفَرِ اليَسيرِ يَدْخُلُونَ لِمَصْلَحَةِ القِتالِ أولَى، وذكَرَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابَ أنَّ الخِدْعَةَ إرادَةُ المَكْرُوهِ بِهِ من حَيثُ لا يَعْلَمُ،
والخُدْعَةُ جائزَةٌ ما لَم تَتَضَمَّنِ الغَدْرَ؛ وهُو نَقْضُ العَهْدِ، كما لَو عاهَدَهَمْ علَى وَضْعِ الحَرْبِ فِي زَمَنٍ مَعَيَّنٍ ثُمَّ نَقَضَهُ، كَذا فِي مَجْمَعِ الأنْهُرِ من كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ بِمَعْناهُ.
ويَدُلُّ لَهُ كذلكَ ما فِي الصحِيحَينِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَاتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟؛ يَوْمَ الأَحْزَابِ - يَعْنِي: قالَهُ فِي ذلكَ اليَومَ -؛ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَاتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟؛ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ؛ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.