الصفحة 83 من 207

بسم اللهِ الرحمَنِ الرحِيمِ

تَخَفِّي المُسْلِمِ فِي دارِ الحَرْبِ.

رقَمُ الفَتْوى: 56/ 18/7286

وسُئلَ عَن المُسْلِمِ إِذا دَخَلَ دارَ الحَرْبِ مُجاهِدًا هَلْ يَحِلُّ لَهُ التّخَفِي فِي شِعارِ الكُفارِ وثِيابِهِمْ؛ والتَسَمِّي بأسْمائِهِمْ؛ يُوهِمُهُمْ بأَنَّهُ مِنْهُم؟.

فَأجابَ:

حمدًا للهِ؛ وبَعْد:

فَمَن دَخَلَ دارَ الحَرْبِ مِن المُسْلمِينَ لِغَرَضِ الجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مِن الهَدْيِ الظاهِرِ ما يَلْزَمُهُ فِي دارِ الإسْلامِ، وقَدْ دَلَّ الكِتابُ والسنُّةُ وهَدْيُ النَبِيِّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمِ وأصْحابِهِ فِي الفُتُوحِ علَى جَوازِ ما ذُكِرَ فِي السؤالِ، وإنّما يَاتِي مِن ذلكَ بِما يَحْتاجُ إلَيهِ لِمَصْلَحَةِ الجهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَلَهُ أنْ يَتَزَيّا بِزِيِّهِمْ، ويَحْمِلَ شِعارَهِمْ إنْ اقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ القِتالِ ذلكَ، وَلَهُ أنْ يَتَسَمَّى بأسْمائِهِمْ، وَإنْ كانَ مِنْهُم وأَسْلَمَ فَلَهُ أنْ يُخْفِيَ إسلامَهُ ويُظْهِرَ المُوافَقَةَ لَهُم إنِ اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ ذلكَ، وقَدْ ذكَرَ الشيخُ ابنُ تَيمِيَةَ الإمامُ رَحِمَهُ اللهُ فِي الاقْتِضاءِ أنَّ المخَالَفَةَ لَهُمْ لاَ تَكُونُ إلاَّ مَعَ ظُهُورِ الدِّينِ وَعُلُوِّهِ كالْجِهَادِ؛ وإلْزَامِهِمْ بالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ؛ وَأَنَّ المُسْلِمِينَ لَما كَانُوا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ضُعَفَاءَ؛ لَمْ تُشْرَعْ الْمُخَالَفَةُ لَهُمْ؛ فَلَمَّا كَمُلَ الدِّينُ وَظَهَرَ وَعَلاَ؛ شُرُعِتْ مُخالََفَتُهُمْ، وهذا المَعْنَى الذِي ذكَرَهُ مُوجُودٌ فِي المُسلمِ إذا دخَلَ دارَ الحَرْبَ، فإنَّ الواحِدَ والإثْنَينَ فِيهِمْ بِمَنْزِلِةِ المُستَضْعَفِينَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ هُمْ فَوقَ ذلكَ إنما يَصْنَعُونَهُ لمَصْلَحَةِ كُبْرَى مُعْتَبَرَةٍ فِي الشرْعِ؛ والغايَةُ مِنْها إرْغامُ الكُفارِ وهَزِيمَتُهُمْ وإخْضاعَهُمْ لِسُلطانِ الإسلامِ والشرْعِ، ومَن تَتَبّعَ أدِلَّةَ الشرْعِ وَجَدَها قَدْ خَصَّتِ المُجاهِدَ بِكَثِيرٍ مِن الرُّخَصِ التِي أبِيحَتْ لِمَصْلَحَةِ الجِهادِ فِي سَبيلِ اللهِ، كَمِشْيَةِ الخُيَلاءِ؛ وثِيابِ الحَرِيرِ؛ وتَحْلِيَةِ السلاحِ بالذهَبِ والفِضَّةِ؛ وجَوازِ أنْ يُسافِرَ الرجُلُ وحْدَهُ مَعَ وُرُودِ النهْيِ عَنهُ؛ وجَوازِ الكَذِبِ فِي الحَرْبِ؛ وجَوازِ الخَدِيعَةِ، وغَيْرِ ذلكَ مِما نَبْسُطُهُ فِي غَيرِ هَذا المَوْضِعِ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.

قالَ ابنُ تَيمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الاقْتِضاءِ: وَمِثْلُ ذلكَ اليَوْمَ: لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ بِدَارِ حَرْبٍ؛ أَوْ دَارِ كُفْرٍ غَيْرِ حَرْبٍ؛ لَمْ يَكُنْ مَامُورًا بالمُخَالَفَةِ لَهُمْ فِي الهَدْيِ الظَّاهِرِ؛ لِمَا عَلَيْهِ فِي ذلكَ مِن الضرَرِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ؛ أَوْ يجبُ علَيهِ؛ أنْ يُشارِكَهَمْ أَحْيانًا فِي هَدْيِهِمُ الظاهرِ؛ إِذَا كانَ فِي ذَلكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الدِّينِ؛ والاطِّلاَعِ عَلَى باطِنِ أَمْرِهِمْ لإخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلكَ؛ أَوْ دَفْعِ ضَرَرِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَنَحْوِ ذلكَ مِنَ المقاصِدِ الصَّالِحَةِ. انْتَهى.

ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشيْخِ أَيْضًا فِي (الاسْتِغاثَةِ فِي الردِّ عَلَى البَكْرِيِّ) : وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الرَّافِضَةِ وَ الخَوارِجِ؛ فَكَتَمَ حُبَّهُ للصَّحَابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ زِنْدِيقًا، وَلَوْ عَرَّضَ لَمْ يَاثَمْ بِذلكَ.

وَفِي فُتُوحِ الشامِ للواقِدِيِّ أنَّ الصحابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كانُوا فِي الفُتوحِ يَلْبَسُونَ - عَلَى وَجْهِ الحِيلَةِ - ثِيابَ الرومِ وصُلْبانَهُمْ؛ ورُبَّما حَمَلُوا الصَّلِيبَ الكَبِيرَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ - يُوهِمُونَ القَومَ أَنَّهُمْ من الرومِ!؛ ثُمَّ يُباغِتُونِهَمْ فِي دِيارِهِم، ورُبَّما دَسُّوا بَيْنَهُم علَى هَذهِ الصفَةِ مَن يأتِي بِأخْبارِهِمْ، ذكَرَ هَذا فِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ من الكِتابِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت