الصفحة 86 من 207

بسم الله الرحمن الرحيم

حُكْمُ الجِهادِ في الأصْل

رقم الفتوى: 56/ 2 / 304

سُئلَ: عَن الأَصْلِ في حُكْمِ الجِهادِ؟.

فأجاب: الحمدُ للهِ وبَعْد:

فالذي عَلَيْهِ جَماهِيرُ العُلَماءِ أنَّهُ فَرْضُ كِفايَة وإنْ لَمْ يَبْدأ الكُفار، حكاهُ الجصاصُ في أحكامِ القُرآنِ عَنِ أَبي حَنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، ومالكٍ، وسائرِ فقهاءِ الأمصار، ومَعْنَى كَوْنِهِ من فُرُوضِ الكِفاياتِ أنَّ بَعْضَ الناسِ يَحْمِلُهُ عن بعْض؛ إذا قامَ بهِ مَنْ يَحْصُلُ بِهمُ المُقْصُودُ سقط عن الباقين، واسْتُدِلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تعالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} ؛ ولو كانَ القاعِدُ عَنْهُ آثِمًا لِتِرْكِهِ ما تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لَما وُعِدَ بالحُسْنى معَ الترك.

وبِأَنَّ النبِيَّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ كانَ يَبْعَثُ قَومًا دُونَ آخرين.

وَأيضًا فإنّ إيجابَهُ على الأعيانِ يَسْتَلْزِمُ قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَقْوَاتِ فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى الْكُلِّ إلَى تَرْكِهِ لِلْعَجْزِ.

وبأنَّ إيجابَهُ عَلى الأعْيَانِ يَلْزمُ مِنْهُ تَعْطيلُ طَلَبِ المَعايِشِ والأرزاقِ.

واعْتَرَضَ الأخيرَ ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القديرِ فقال: وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ مَا ذُكِرَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا لَزِمَ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ أَنْ يَخْرُجَ الْكُلُّ مِنْ الْأَمْصَارِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا بَلْ يَكُونُ كَالْحَجِّ عَلَى الْكُلِّ، وَلَا يَخْرُجُ الْكُلُّ بَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْرُجَ، فَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ وَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَهَكَذَا؛ وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الْمَعَاشِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نَصُّ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} . انتهى.

وذهبَ طائفَةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمْ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ من التابِعين، وعَبدُ الله بنُ شُبْرُمَةَ فقِيهُ العراقِ وكانَ مِنْ أئمَّةِ الفُرُوعِ كما قالَ الذهبيُّ في السير، وعزاهُ ابنُ قُدامَةَ في المُغْني إلى طائِفَةٍ من الشافِعيَّةِ، ورَدَّهُ، والصوابُ ما عَلَيهِ الجُمْهُورُ؛ واللهُ أعْلم.

قال السيوطيُّ في الأشباهِ والنظائر: ومِنْ فُرُوضِ الكفَايَةِ الجهادُ حَيْثُ الكُفَّارُ مُسْتَقِرُّونَ فِي بُلْدَانِهِمْ، ويَسْقُطُ بِشَيْئَيْنِ:

أَحَدِهِمَا: أَنْ يُحَصِّنَ الإِمَامُ الثغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الكُفَّار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت