الصفحة 81 من 207

وإلا فقدْ جَنَحَ العِراقِيُّ المغْرِبِيُّ إلى القَوْلِ بأَنَّهُ رِدّة، لأنه لا يَصْدُرُ إلا مِمَّنْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنُقِهِ، ولأنه إِنّما يَقْتُلُ المجاهِدِينَ لأَجْلِ جِهادِهِمْ.

ومنهم من قال (ولعله العراقي أيضا) : منْ أَظْهَرَ الْمَيْلِ إلى العدوِّ الكافرِ وتَعَصَّبَ به قُوتلَ قتالَ الكفارِ؛ ومالُه فَيْئٌ.

وذكرَ الشيْخُ تَقِيُّ الدينِ الهِلالِيُّ رحِمَهُ الله في رِسالَةِ (الصوفِيَّةِ) مِنْ رَسائلِهِ قال: وكانَ فُقَهاءُ بَلَدِنَا يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ سافَرَ إِلَى الجَزَائِرِ؛ وإذا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ يامُرُونَهُ بالاغْتِسالِ والدُّخُولِ فِي الإسْلامِ مِنْ جَديدِ؛ ويَعْقِدُونَ لَهُ عَقْدًا جديدًا عَلَى زَوْجَتِهِ. انتهى.

والأدلةُ على الأحكامِ الآنفَةِ كثيرةٌ جدا؛ تَرْكْنا ذِكْرَها اختصارًا؛ وبالله التوفيق.

الثاني: وقع نحو هذا زمنَ يوسفَ بنِ تاشفينَ رحمه الله لما أرادَ العُبُورَ إلى الأنْدَلُسِ لقِتالِ النَّصارَى، فَمَنَعَهُ صاحِبُ سَبْتَةَ، وتَعّذَّرَ بالْخَوْفِ على البِلادِ مِنَ النصارَى، فاسْتَفْتَى يُوسُفُ جَمَاعَةَ الفُقُهاءِ بِما لا يَسُرُّ صاحِبَ سَبْتَةَ، وأجازُوا مُقَاتَلَتَهُ إِنْ أَصَرَّ علَى مَنْعِ المجاهِدينَ مِنَ الْمُرُور.

قلت: تأملْ رحمك الله هذا، وكيفَ اجْتَمَعَتْ كلمتُهم على جوازِ قِتالِهِ لِمُجَرَّدِ مَنْعِهِمْ مِنَ الْمُرور، فكانَ القولُ بقتال مَنْ خالَطَ العدوَّ ومازجَه بالْمُعاضَدَةِ والمناصَرَةِ مِنْ باب أَوْلَى، فكيفَ بِمَنْ يحُوطُه ويقاتلُ دُونَه، ويُمَكِّنُه من بلاد المسلمين؟!.

الثالث: وأفتى بِنَحْوِ هذا أَيْضًا عُلماءُ المالكِيَّةِ في القَرْن الحادي عشرَ الهجري، لما اسْتَفْتاهُمْ الفقيهُ المجاهِدُ الكبيرُ العَيَّاشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي شانِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ؛ لِما بينهم وبينَ النصارى مِنَ الرابطةِ والتعاوُنِ، ولأنهم قد أَعْلَمُوا النصارى بِمَحَلَّةِ العيَّاشي، فأقامَ عليهم الحجةَ وشاورَ في قتالهم، فأفتى أبو عبدِ الله العرّبِيُّ الفاسِيُّ وغيرُهُ بِجوازِ مُقاتَلَتِهِم، لأنّهم حادّوا الله ورسولَه، ووالَوْا الكفّارَ ونَصَحُوهم، ولأنّهم تَصَرَّفُوا فِي أموال المسلمين ومنعُوهم مِنْها تَضْييقًا عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَةِ العدُو، وقطَعُوا البيعَ والشراءَ عنِ الناسِ وخصُّوا بِهم أنْفُسَهُم، وصادقوا النصارى، وأمَدُّوهُمْ بالطعام والسلاحِ، وكان العلامَةُ الشيخُ عبدُ الواحِدِ بنُ عاشِرٍ لم يُجِبْ عن هذه القَضِيَّةِ؛ حتى رأى بِعَيْنِهِ حينَ قَدِمَ (سلا) بِقَصْدِ المرابطة، فرأى أهْلَ الأنْدَلُسِ يحمِلُون الطعامَ إلى النصارى، ويُعْلِمُونَهُم بِعَورَةِ الْمُسلمين، فأفتى حينئذٍ بجواز مُقاتَلَتِهم، فقاتلهم أبو عبدِ الله العياشيُّ وحَكَّمَ السيفَ في رقابِهم أيامًا إلى أنْ أَخْمَدَ بِدْعَتَهُمْ وجمعَ الكلِمَةَ بِهم.

قُلْتُ: تأمَّلْ!؛ أفْتَى بِقِتالِهِمْ لِما ذُكِر، فكَيْفَ لَوْ رأى ما يَقَعُ اليوم، مِنْ فِتْحِ البلادِ للنصارَى وتَمْكِبنِهِمْ مِنْ بلادِ المُسْلِمينَ لِقِتالِ أهْلِ الإسلامِ، وقوافِلُ الطعامِ والإمْدادِ تَخْرُجُ إلَيْهِمْ مِنْ بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ وَبأمْوالِ أهْلِ الإسلامِ أرْسالًا تِلْوَ أرْسالٍ!!؛ وللهِ الأَمْرُ مِنْ قِبْلُ ومِنْ بَعْد.

الرابع: وأما قتلُ مَن اخْتَلَطَ بِهم مِنَ النساء والصبيان فغايةُ ما يُقالُ فِيهِمْ أنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ المُتَتَرَّسِ بِهم، ولا يخفى أنهم علَّلُوا القوْلَ بِجَوازِ قَتْلِ التُّرْسِ ولو كانَ فيهم أناسٌ صالِحُون بِكَوْنِ الْمَنْعِ منه يُفْضِي إلى تَعْطيلِ الجهادِ، بلْ مَنْ شدَّدَ في هذه المسأَلَةِ قالَ بِجوازِها إذا كانَتْ الْمَصْلَحَةُ كُلِّيَّةً ضُرُورِيَّةً قَطْعِيَّة، وَمعنى كونِها ضروريةً: أنّها لا يَحْصُلُ الوصولُ إلى الكُفَّار والغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ ودَفْعُ خَطَرهم والتمكنُ مِنهم إلا بِقَتْلِ التُّرْسِ. ومعنى أنّها كُلِّيَّة: أنْ يَحْصُلَ مِنْ قَتْلِ الترس مصلحةٌ عامَّةٌ للمسلمين؛ فإن لم يَفْعَلْ قتلَ الكفارُ الترسَ واسْتَوْلَوْا على بِلادِ الإسلام. وَمَعْنَى كونِها قَطْعِيَّةً: أنّ تلْكَ المصلَحَةَ حاصِلَةٌ مِنْ قَتْلِ التُّرْسُ قَطْعًا. قال علماؤنا: وهذه المصلحةُ بِهذِهِ القُيُودِ لا يَنْبَغِي أن يُختلفَ في اعتبارها؛ لأن الفرْضَ أنَّ الترس مَقْتُول قطعًا؛ فإما بأيْدِي العدوّ فَتَحْصُلَ المفسدةُ العظيمَةُ التي هِي اسْتيلاءُ العدوّ على كلِّ المسلمين. وإما بأيدي المسلِمينَ فيهلكَ العدوُّ وينْجُوَ المسلِمونُ أجمعُون. ولا يَتَأتَّى القَوْلُ بِمَنْعِ قَتْلِ الترْسِ فِي هذه الصورةِ بِوَجْهٍ؛ لأَنَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت