الصفحة 80 من 207

مَعَ كَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمْ من الاسْتِئْناسِ بِهِمْ والرضا ببَاطِلِهم، كما وقَعَ لِمَنْ بَقِيَ مِن المُسْلِمينَ بالأَنْدَلُسِ بَعْدَ تَسلُّطِ النصارَى عَليها، فإن عَجِزَ عنْ هذه أيضًا كأَنْ أَكْرَهُوهُ على البَقَاءِ بينهم والإقامةِ معهم فغايَتُهُ أنْ يكونَ في حُكْمِ المُتَتَرَّسٍ به، وعلَيْهِ معَ ذلك أن يَتَحيَّنَ الفُرْصَةَ للخُرُوجِ مِن بين ظَهْرَانَيْهِم متى قَدِرَ عليه، وليس من العُذر المبيحِ للإقامة بين ظهرانَيْهِم الخوفُ على الأهْلِ والسكَن، ولا الخوفُ مِن مَشَقَّة الهجرةِ وفِراق الوَطَنِ، ولا الخوفُ علَى الرزقِ والأَجَل، ولا غيرُ ذلك مما يَتَعَذَّرُ به من رقَّ دينُه؛ مِمِّن يُقيم الدنيا ولا يُقعدها لأَجْلِ رَغِيفِ خُبْزٍ! ويَرَى حُرُماتِ الدينِ تُنْتَهَكُ فَلا تَطْرِفُ له عَيْنٌ ولا تَقْشَعِرُّ له شَعْرَة! فكيفَ يُتْرَكُ قِتالُ العدُوِّ الصائلِ الذي يُفْسِدُ الدينَ والدنيا ولا شيئَ أوجبُ بعدَ الإيمانِ مِنْ دَفْعِهِ لِمِثْل هؤلاء؟!.

أما الرضا بالإقامةِ تَحْتَ حُكْمِهِمْ؛ واخْتِيارُ البَقَاءِ بَيْنَهُمْ طَوْعًا؛ مَعَ القُدْرَةِ على مفارَقَتِهم؛ لدُنْيا يَنالُها مِنْهُم، وإعانتُهم على قتالِ المسلمين فَضْلًا عنْ حِزْبِ الله من المجاهدِين، ومؤازَرَتُهم في التَّمَكُّنِ من حَرَمِ وحُرُمات المجاهدين طَمَعًا بِما في أيدِيهم، فذلكَ فِعْلٌ مُبِيحٌ لِقِتالِهِمْ وقِتْلِهمٍ؛ فإنْ كانَ يفْعَلُ هذا تَفْضِيلًا للكُفْرِ عَلَى الإسلامِ فَكُفْرٌ نَعُوذُ باللهِ مِنْه، وإنْ كانَ يُعِينُهُمْ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ لما ذَكَرْناهُ فَفِي تَكْفِيرِ مَنْ هذا حالَهُ نِزاعٌ وتَفْصيل، نعوذُ بالله من ذَلِكَ، على أنّ العُلَماءَ رحمِهُمْ اللهُ اتّفَقُوا علَى جوازِ مقاتَلَةِ مَنْ هذه صفتُه، وَوقعَ بينهم الخلافُ في الحُكْمِ عليهم بالكُفْرِ والردَّة كما حَكَى فَتَاوِيَهم مُفَصَّلَةً في ذلك وخلافََهم في الباب الوزَّانيُّ الشريفُ المالكيُّ في النوازل الصغرى، وغيرُهُ مِنَ العُلُماءِ، ومِمّنْ يَحْضُرُنِي الآنَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ تكلّم في المسألة المذْكُورَةِ منَ العلماء المغاربَةِ رَحِمَهُمُ الله: العلامة الساوْدِيُّ بنُ تَوْدَةَ في جوابٍ عن سُؤالِ السلْطانِ المنصورِ بالله العَلَوِيّ، والشيخُ بُنانِيُّ رحمه الله، والحافظُ العِراقِيُّ الْمَغْرِبِيُّ، والفقيهُ العلاّمَةُ أبو علِيِّ بنُ عبدِ الله الأَنْصارِيُّ، والقاضي بفاسٍ عبدُ الهادِي العلوي، والشيخُ الفقيهُ عبدُ السلامِ الوزَّانِيُّ، وأبو العباس بنُ زَكَرِيّ، وأبو الحسنِ الأنْصارِيُّ، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ، وأكثرُهُمْ لم يصرّح بالتكفير، ونقلُوا ذلك عن محمدِ بنِ عبدِ الله الونْشَرِيسِيِّ أيضا، قالوا: لكنَّهم يدخُلُون في عمومِ قولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وقولِه تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} . قالوا: وهذا الفِعْلُ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أَوْجُهٍ:

-أن يكونَ راضياَ بِكُفْرِهِ ويُوَالِيَهُ لأَجْلِهِ، فهذَا كُفْرٌ يُنَافِي الإيمانَ.

-المعاشَرَةَ الْجَمِيلَةَ فِي الدنيا بِحَسْبِ الظاهِرِ، (يَعْنُونَ إذا لَمْ يَكُونُوا مُحارِبِينَ؛ كأَهْلِ الذمَّةِ) ؛ فَهذَا غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ.

-أن يُوالِيَهُمْ علَى وَجْهِ الرُّكُونِ والْمُعَاوَنَةِ والْمُظاهَرَةِ والنُّصْرَةِ مَعَ اعْتقادِ أنّ دِينَهُ باطلٌ، فهذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ؛ لكِنَّهُ مُنْهِيٌّ عَنْهُ.

قلْتُ: وهذا الأخِيرُ مِنَ العُلَماءِ مَنْ ذهبَ إلى القَوْلِ بالتكْفِيرِ بهِ أيْضًا.

قالوا: ولا تُقْبَلُ الشهادةُ الْمُجْمَلَةُ فِي حَقِّ أَعْيانِ الطائِفَةِ، ولا يُقدَمُ علَى الدِّماءِ إلا بِأَمْرٍ بيِّنٍ.

وذكروا أيضًا أنّ مَدَارَ الحُكْمِ في الشرِيعَةِ علَى الاعْذارِ.

ونَقَلُوا مَا ذَكَرَهُ البَرْزَلِيُّ فِي نَوازِلِهِ: في شان اسْتِفْتاءِ يوسُفَ بنِ تاشَفِينَ الفُقهاءَ في الْمُعْتَمِدِ بنِ عبّاد، لما اسْتعانَ بالنصارَى على حَرْبِهِ، فاختلفَ فيه الفقهاءُ، وأَفْتَى أَكْثَرُهُمْ بأنّها رِدَّةٌ، وخالَفَ فِي ذلك قاضِيهِ، فأخذَ يوسُفُ بالأَيْسَرِ الأَحْوطِ.

وإنما اسْتَطْرَدْتُ فِي ذِكْرِ خلافِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ وحَكَيْتُ هذا عَنْهم؛ للتنْبِيهِ على بُطلانِ دَعْوى الإجماعِ على التكفير، وخطأِ مَنْ ادَّعاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت