بسم الله الرحمن الرحيم
النورُ السَّافِر فِي بَيانِ حُكْمِ مَنْ تَعَصَّبَ بِالْعَدُوِّ الكافِرِ
رقم الفتوى: 88/ 1 / 287
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسَّلامُ على نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ؛ ... أما بعدُ:
فقدْ كَتَبَ بعضُ أَصْحابِنا مِنَ الأكابِرِ وفَّقَهُمْ اللهُ يَسْأَلُ عَنْ: حُكْمِ قَوْمٍ يَسْكُنُونَ قَرْيَةً من القُرى التي تقعُ في طريقِ المجاهدين، وقد اشْتَهَرَ عنهم عَداؤُهُمْ وخِيانَتَهُمْ للمجاهدين مُنْذُ زَمَنٍ، ويوجدُ فِي وَسْطِ القَرْيَةِ مَرْكَزٌ كَبِيرٌ للجَيْشِ المَحَلِّيِّ المُعْلِنِ عَنْ مُوالاتِهِ للعَدُّوِّ الصلِيبِيِّ الْمُحْتَلِّ للبِلادِ بالمُعاضَدَةِ والمُناصَرَة، والغالِبُ على العامَّةِ مِنْ رِجالِ القَرْيَةِ أنّهم يَعْمَلُون فِي الْمرْكَزِ المذْكُور، والباقون مُتَعاوِنُونَ مَعَهُم ومِنَ المُتَعاوِنِينَ بَعْضُ النساء، ثم إنّ القَرْيَةَ على هذهِ الصِّفَةِ المذْكُورَةِ مِنْ أعْظَمِ العوائِقِ أمامَ المجاهدينَ أيَّدَهم الله، إِذْ يَمْنَعُونَهم من الْمُرُور لِقِتالِ العَدُوِّ الصائِل، ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ سُلُوكُ غَيْرِهِ مِنَ الطُّرُق، ومَتى اطلَعَ أَهْلُ القَرْيَةِ عَلَى شَيءٍ مَنْ أخبارِ المُجاهِدينَ وعَوْراتِهِم قامُوا بَدَلالةِ العَدُوِّ عَلَيها، فَفِي إِجْلاءِ سُكَّانِ القَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْها مَصْلَحَةٌ عَظيمَةٌ للمُجاهِدينَ بِفَتْحِ الطريق لِمُرورهم وحَرَكَتهم وتَوَصُّلِهِمْ إلى قِتالِ العَدُوِّ الكافِرِ.
والسؤال من بعدُ: هل يجوزُ قَصْدُ القريةِ بالرِّمايَةِ بالأسْلِحَةِ الثَّقِيلَةِ لإجِلاء أهلِها عَنْها، إنْ كانَ خَطَرُهُمْ لا يَنْدَفِعُ إلا بِذلك، على أن المقصودَ بالرَّمي أصالةً هو المعسكرُ الْمُشارُ إليه، إلا أَنْهُ قَدْ يُصابُ فِي الرَّمْيِ نِساءٌ أو أطفالٌ أو مَاشِيةٌ، لاخْتِلاطِهِمْ بِهم، فأفتونا مأجورين زادكم الله عِلما وَفَهْمًا وبَصِيرَةً؟.
فكتبتُ في جوابِه، مُسْتعِينًا بالله لائذًا بِجنابه، ما يلي:
الحمد لله، ... وبعد،
فحيث كانت القرية وأهلُها على الصفة الواردةِ في السؤال فرميُِها وإجلاءُ أهلِها عنها جائزٌ لا حرجَ فيه، وإن قُتل من النساء والصبيان والأنعام، على أن يُقصدَ بالرمي المقاتلةُ من الرجال، ويُتَحَرَّزَ عن قصْدِ النساءِ والصِّبْيانِ ما أَمْكَن، فَمَنْ قُتل مِنْهُم لاخْتِلاطِهِم بالْمُقاتِلَة فالعذْرُ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ قائمٌ إنْ شاءَ الله للمَصْلَحَةِ الشرْعِيَّةِ، والضرُورَةِ الْمَرْعِيَّة، وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن الواجبَ على كلِّ مسلم مكلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ مَتى نزل العدوُّ عُقْر دارِ المسلِمين النفيرُ إلى قتاله، وليس من قول أحد من المسلمين إباحةُ القعود عنهم كما قالَ الإمامُ ابنُ العَرَبِيِّ رَحِمَهُ الله، فمنْ كانَ عاجِزًا عن القتال لعُذْرٍ مشروعٍ وجبَ عليه مُزايلتُهم والهجرةُ عنهم، وحرُمَتْ عليه الإقامَةُ تَحْتَ إِيالَتِهِمْ، لِما فيهِ مِنْ تَكْثِيرِ سَوادِهِمْ؛ ولما يَقَعُ في نَفْسِهِ